انتقد فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب مضامين البرنامج الحكومي الجديد، معتبراً أنه لم يقدم توضيحات كافية بشأن الاختيارات التي ستميز المرحلة المقبلة والضمانات الكفيلة بتنفيذ الالتزامات المعلنة، فيما دعا فريق العدالة والتنمية إلى ترجمة التعهدات المتعلقة بمحاربة الفساد وتضارب المصالح إلى إجراءات عملية، إلى جانب معالجة عدد من الملفات الحقوقية والاجتماعية.
وجاءت هذه المواقف خلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الخميس، حيث ركز الفريقان على جوانب مختلفة من البرنامج الذي قدمته رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام البرلمان.
- الأحرار يتساءلون عن ضمانات التنفيذ
وقال ياسين عوكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، إن الحكومة السابقة تركت، بحسب تقييم فريقه، مؤشرات اقتصادية إيجابية تشمل تراجع التضخم إلى أقل من 1 في المائة، وتحقيق معدل نمو بلغ 4,6 في المائة، وخفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة، معتبراً أن هذه المكتسبات تستدعي الحفاظ عليها والبناء عليها.
وفي المقابل، طالب عوكاشة الحكومة الجديدة بتوضيح اختياراتها السياسية والاقتصادية، وتحديد الموارد المالية والمؤسساتية اللازمة لتنفيذ برنامجها، إلى جانب اعتماد مؤشرات دقيقة وآجال زمنية تسمح للبرلمان بتقييم مدى الوفاء بالالتزامات.
واعتبر أن شعار «تغيير المسار» الذي رفعته مكونات الحكومة خلال المرحلة الانتخابية لم ينعكس، وفق تقديره، بصورة واضحة على مضامين البرنامج، مشيراً إلى استمرار عدد من الأوراش والسياسات التي أطلقتها الحكومة السابقة، في مجالات الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والاستثمار.
كما انتقد رئيس الفريق التجمعي طريقة تشكيل الحكومة، معتبراً أنها لم تحقق بالشكل الكافي متطلبات تقليص عدد أعضائها وتعزيز الكفاءة والنجاعة، وسجل ما وصفه بضعف تمثيلية النساء داخل التركيبة الحكومية.
وتوقف عوكاشة عند عدد من الوعود الانتخابية التي لم يتضمن البرنامج، بحسب ملاحظاته، جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذها، ومن بينها تخفيض الضريبة على الدخل من 37 إلى 20 في المائة، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم. وتساءل عن مبررات تأجيل بعض الالتزامات إلى نهاية الولاية الحكومية سنة 2031، بدل تحديد مراحل واضحة لتنفيذها.
وشدد على أن استمرارية الدولة لا تعني إعادة إنتاج السياسات نفسها دون تطويرها، مؤكداً أن كل حكومة مطالبة بتقديم قيمة مضافة واضحة، وتحديد أهداف قابلة للقياس، وإبراز مصادر التمويل والوسائل التي ستعتمدها لتحقيق النتائج المعلنة.
- العدالة والتنمية يركز على الفساد والملفات الحقوقية

من جانبه، دعا إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، الحكومة إلى تحويل التزاماتها في مجال محاربة الفساد وتضارب المصالح إلى إجراءات تشريعية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ، مشيراً إلى أن الحديث عن النزاهة ينبغي أن يقترن بتوضيح آليات المحاسبة وتحديد المسؤوليات.
وأبدى الأزمي اهتماماً بالتعهدات الواردة في البرنامج الحكومي بشأن استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، خصوصاً تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات.
واعتبر أن معالجة تضارب المصالح تستدعي الاهتمام بمختلف القطاعات، من بينها الصحة والأدوية والفلاحة والثقافة والتعمير، مع عدم حصر التدابير الرقابية في الموظفين والإدارات العمومية، بل توسيعها لتشمل المسؤوليات والمناصب السياسية أيضاً.
وفي الشأن الحقوقي، أعرب الأزمي عن تطلع حزبه إلى اتخاذ خطوات من أجل إطلاق سراح المعتقلين على خلفية احتجاجات الحسيمة واحتجاجات شباب «جيل زد»، إضافة إلى النقيب محمد زيان، معتبراً أن معالجة هذه الملفات يمكن أن تسهم في تعزيز الثقة وإيجاد مناخ سياسي وحقوقي أكثر انفتاحاً.
كما شدد على ضرورة مراعاة المرجعيات الدينية والوطنية والدستورية عند إعداد التعديلات المرتبطة بمدونة الأسرة، مؤكداً أن حزبه سيتابع هذا الملف في إطار ممارسته لمهامه السياسية والبرلمانية.
- تحفظات بشأن آلية خفض الأسعار
وعلى المستوى الاقتصادي، أثار رئيس فريق العدالة والتنمية تساؤلات بشأن توجه الحكومة إلى إحداث شركات جهوية للتجميع والتوزيع بهدف الحد من غلاء المواد الغذائية وتحسين وصول المنتجات إلى المستهلكين.
وأبدى الأزمي تخوفه من أن تتحول هذه الشركات، في حال غياب ضوابط واضحة للمراقبة والمنافسة، إلى آلية لتركيز النفوذ الاقتصادي في أيدي عدد محدود من الفاعلين، بما قد يتيح التحكم في السوق والأسعار ويؤثر على مصالح الفلاحين والتجار والوسطاء الصغار.
ودعا، في هذا السياق، إلى ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص داخل سلاسل التسويق، حتى تحقق الإجراءات المعلنة هدفها في تخفيف تكاليف المعيشة دون خلق اختلالات جديدة في السوق.
وتكشف مداخلتا التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية عن اختلاف أولويات النقاش البرلماني بشأن البرنامج الحكومي؛ إذ ركز الأول على استمرارية السياسات العمومية وضرورة تقديم ضمانات واضحة للتنفيذ، فيما شدد الثاني على ملفات النزاهة والحريات وتضارب المصالح وآليات خفض الأسعار.
ويظل تقييم هذه الالتزامات مرتبطاً بمدى وضوح الإجراءات التي ستعتمدها الحكومة، والآجال المحددة لتنفيذها، وقدرتها على تقديم نتائج قابلة للقياس في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية.