أعاد السجال الذي أثارته تصريحات المستشار البرلماني محمود عرشان داخل مجلس المستشارين ملف الانتهاكات الحقوقية خلال ما يعرف بسنوات الرصاص إلى واجهة النقاش العام، بعدما أصدرت خمس هيئات حقوقية ومدنية بياناً مشتركاً أدانت فيه خطابه، ودعت الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى توضيح موقفيهما من القضية، مع التشديد على مواصلة العمل من أجل كشف الحقيقة وصون كرامة الضحايا.
وجاء تحرك هذه الهيئات عقب مداخلة عرشان خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي، حين أعلن استعداده لخوض مناظرة تلفزيونية مع منتقديه بشأن الاتهامات المرتبطة بماضيه المهني، ووصف بعض الذين يثيرون هذه القضية بـ«الطابور الخامس»، وهي عبارات اعتبرتها الجمعيات مسيئة للضحايا وعائلاتهم، ولا تنسجم مع طبيعة النقاش المفترض داخل المؤسسة التشريعية.
- خمس هيئات تطالب بموقف رسمي
وضمت الهيئات الموقعة على البيان المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، وجمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة، ومعهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
واعتبرت هذه التنظيمات أن توجيه اتهامات بالتخوين إلى المنتقدين، من داخل مؤسسة دستورية، يساهم في تحويل النقاش من مساءلة السياسات الحكومية إلى سجال بشأن الذاكرة الحقوقية، مؤكدة أن القضايا المرتبطة بالانتهاكات السابقة تستوجب التعامل معها بجدية واحترام حقوق المتضررين.
كما دعت رئاسة مجلس المستشارين إلى اتخاذ التدابير التي تدخل ضمن اختصاصاتها لضمان احترام قواعد النقاش البرلماني وصون كرامة الضحايا، معربة عن استغرابها لعدم صدور موقف حكومي بشأن التصريحات المثيرة للجدل.
- اتهامات مرتبطة بالماضي الأمني
وفي معرض تبرير موقفها، أشارت الهيئات إلى شهادات لضحايا سابقين نسبوا إلى عرشان مسؤولية عن ممارسات تعذيب وانتهاكات خلال سنوات الرصاص، كما استحضرت اتهامات سبق أن أوردها أحمد البخاري، الضابط السابق بالمخابرات المغربية، في مذكراته بشأن دور عرشان خلال تلك المرحلة.
وشددت الجمعيات على أن هذه الادعاءات والشهادات ينبغي التعامل معها من خلال البحث عن الحقيقة وتوثيق الوقائع واحترام حقوق الضحايا، بدل الرد عليها بالتخوين أو تحويلها إلى مواجهة إعلامية. ولا يعني تداول هذه الاتهامات، في حد ذاته، ثبوتها بحكم قضائي.

وفي السياق ذاته، استحضرت الهيئات تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن أهدافها المرتبطة بكشف الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات تظل مرجعية أساسية في التعامل مع هذا الملف.
وطالبت المجلس الوطني لحقوق الإنسان باتخاذ موقف علني من التصريحات، ومواصلة متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، كما دعت الحكومة إلى توضيح موقفها والعمل على معالجة الملفات العالقة، خصوصاً ما يتصل بجبر الضرر الفردي والجماعي وضمانات عدم التكرار.
- عرشان يدافع عن مساره ويتحدى منتقديه
في المقابل، دافع محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، عن مساره المهني والسياسي خلال مداخلته البرلمانية، مستحضراً توليه مسؤوليات بوزارة الداخلية بين عامي 1957 و1982، إلى جانب عضويته في المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ومشاركته في المسيرة الخضراء، ومساهمته، بحسب قوله، في تعزيز العلاقات المغربية الفرنسية.
وأعلن عرشان استعداده لمناقشة الاتهامات الموجهة إليه في مناظرة تلفزيونية، مؤكداً رفضه لما يعتبره تشكيكاً في مساره الشخصي والمهني. غير أن دعوته إلى المواجهة الإعلامية قوبلت برد حقوقي يدعو إلى توسيع النقاش ليشمل شهادات الضحايا والوثائق المرتبطة بتلك المرحلة.
- عزيز غالي يقترح جلسة استماع في 10 دجنبر
وبالتوازي مع البيان المشترك، أعلن عزيز غالي، الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قبوله تحدي عرشان، داعياً إلى تحويل السجال من تبادل التصريحات إلى مبادرة تتيح الاستماع إلى الضحايا وشهود المرحلة.
واقترح غالي تنظيم جلسة استماع شعبية علنية يوم 10 دجنبر المقبل، تزامناً مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، داعياً الحقوقيين والمحامين والباحثين وعائلات الضحايا إلى تشكيل لجنة تحضيرية تتولى تنسيق المبادرة، وجمع الشهادات والوثائق، وتحديد مكان اللقاء وبرنامجه.
وتهدف المبادرة المقترحة إلى فتح نقاش عمومي حول ملفات التعذيب والاختفاء القسري، وسبل توثيق الانتهاكات وكشف الحقيقة ومناقشة المسؤوليات، مع ضمان حق الضحايا في سرد تجاربهم وصون كرامتهم.
وبين الدعوة إلى مناظرة تلفزيونية والاقتراح المتعلق بتنظيم جلسة استماع علنية، يتواصل الجدل حول كيفية تناول إرث سنوات الرصاص، ودور المؤسسات والهيئات الحقوقية في حفظ الذاكرة ومعالجة الملفات العالقة. وفيما تطالب الجمعيات بتوضيح رسمي ومواصلة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، يظل محور النقاش هو سبل التعامل مع الشهادات والاتهامات المرتبطة بالماضي وفق مقاربة تقوم على التوثيق وكشف الحقيقة واحترام حقوق جميع المعنيين.