يواصل المغرب تخصيص اعتمادات مالية لدفع الدراسات التقنية والهندسية المرتبطة بمشروع الربط القاري مع إسبانيا عبر مضيق جبل طارق، في إطار مساعي البلدين إلى إعادة تقييم الجوانب العلمية والاقتصادية والبيئية للمشروع، الذي يهدف إلى إقامة اتصال ثابت بين قارتي إفريقيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، كشفت معطيات واردة ضمن الوثائق المرافقة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق تعتزم تخصيص ميزانية استثمارية تبلغ 120 مليون درهم خلال السنة المقبلة، لمواصلة تنفيذ برنامج العمل المشترك مع نظيرتها الإسبانية المكلفة بدراسة المشروع.
وتندرج هذه الميزانية ضمن خطة عمل مغربية إسبانية تشمل خمسة محاور رئيسية، تتعلق بمراجعة الدراسات السابقة، وتطوير منظومة التعاون العلمي والتقني، واستكشاف التكوينات الجيولوجية تحت أرضية المضيق، فضلاً عن تقييم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والاستراتيجية والقانونية، إلى جانب الترويج للمشروع.
وتأتي هذه الخطوة في سياق إعادة تحريك المشروع، الذي ظل لسنوات طويلة رهين الدراسات التقنية والتحديات المرتبطة بطبيعة قاع مضيق جبل طارق، حيث تستمر الشركتان المغربية والإسبانية في تنسيق الجهود لتقليص المخاطر وتحديد الشروط الضرورية لإمكانية إنجازه.
وتستند خطة العمل الحالية إلى توصيات الاجتماع الثالث والأربعين للجنة الحكومية المغربية الإسبانية المشتركة، المنعقد في 10 أبريل 2023، والذي شكل محطة لإعادة تنشيط التعاون بين البلدين، بعد توقف دام نحو 14 سنة منذ الاجتماع السابق المنعقد بمدينة طنجة سنة 2009.
وعلى مستوى نفقات التسيير، تتوقع الشركة الاستفادة من منحة مالية تبلغ 30 مليون درهم خلال سنة 2027، موجهة لتغطية احتياجاتها المرتبطة بمواصلة تنفيذ برنامج العمل. كما تنص التوقعات المالية على تخصيص 7 ملايين درهم سنوياً خلال سنتي 2028 و2029.
وتوضح المعطيات أن قيمة منحة التسيير عرفت مراجعة، بعدما ارتفع سقفها من 7 ملايين درهم سنوياً إلى 15 مليون درهم، فيما بلغت الاعتمادات المصروفة خلال سنة 2026 نحو 7 ملايين درهم.

دراسات جيولوجية واستكشاف قاع المضيق
وبخصوص الحصيلة المسجلة إلى غاية نهاية غشت 2026، حققت الشركة تقدماً في عدد من الجوانب المرتبطة بالحكامة والتنسيق المؤسساتي، من خلال تحيين آليات التنسيق مع الشركة الإسبانية والمصادقة عليها، إلى جانب الشروع في دعم مجلس إدارتها بمتصرف مستقل.
أما على المستوى التقني، فقد انطلقت أشغال الدراسة المتعلقة بإنجاز نفق استكشافي، إلى جانب إعداد جرد شامل للدراسات الهندسية المطلوبة، والعمل على تحيين المعطيات الزلزالية والطبوغرافية الخاصة بقاع المضيق.
وشملت الأبحاث كذلك الشروع في عمليات القياس الزلزالي التكتوني باستعمال أجهزة متخصصة لرصد النشاط الزلزالي في قاع البحر، على جانبي مضيق جبل طارق، بهدف تحسين المعرفة بالخصائص الجيولوجية للمنطقة وتقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بأعمال الحفر.
وفي الجانب الاقتصادي والبيئي والاستراتيجي، تواصل الشركة تطوير شراكاتها مع مؤسسات بحثية متخصصة، من بينها مركز دراسات النقل بدول غرب حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب إطلاق دراسة لتحديث التوقعات المتعلقة بحركة التنقل والتبادل بين ضفتي المضيق.
كما شهدت المرحلة الماضية توقيع اتفاقيات تعاون بين مؤسسات مغربية وإسبانية، فضلاً عن إطلاق مشروع للتحول الرقمي يشمل رقمنة الأرشيف وإحداث بوابة إلكترونية وإعداد خارطة طريق لتحديث أنظمة العمل والتدبير داخل الشركة.
وتشير الوثائق ذاتها إلى أن الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق تضم حالياً عشرة أطر وأعوان، موزعين بين الأطر التنفيذية والمهندسين والأطر المتوسطة وأعوان التنفيذ.
ويظل مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا من الأوراش الاستراتيجية التي تتطلب دراسات تقنية وجيولوجية دقيقة، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة لمضيق جبل طارق. ورغم استمرار تعبئة الموارد المالية والعلمية لمواصلة الأبحاث، فإن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات والاستكشاف، ولم يُعلن بعد عن موعد رسمي للشروع في أشغال بناء النفق.