استقالة رئيس لجنة المناهج في المغرب… أزمة رمزية في قلب إصلاح التعليم
في خطوة مفاجئة أعادت إشكالات إصلاح منظومة التعليم في المغرب إلى الواجهة، قدّم محمد الصغير جنجار استقالته من منصبه كرئيس اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، في خطوة وصفتها مصادر مطلعة بأنها انعكاس لأزمة أعمق داخل ورش إصلاح التعليم لا تتعلق فقط بالأشخاص، بل بالمقاربات والإرادة المؤسسية نفسها.
– اللجنة … أملٌ لم يتحقق
تم تعيين جنجار، وهو أنثروبولوجي وعضو في أكاديمية المملكة وعضو سابق في المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في فبراير 2024 لرئاسة لجنة تضم 35 عضواً من الخبراء والمؤسسات الحكومية بهدف قيادة ورشة استراتيجية تمثل رافعة أساسية لتحسين التعليم بالمغرب.
ووفق الخطط المعلنة، كان من المفترض أن تعمل اللجنة على:
1-إعداد أطر مرجعية للمناهج ومراجعتها باستمرار.
2-ملاءمة البرامج والتكوينات مع التطورات البيداغوجية الحديثة.
3-تجديد الكتب المدرسية.
4-تنويع المقاربات التعليمية وإدراج أنشطة ثقافية ورياضية وإبداعية.
5-إرساء آليات تقييم ومراجعة دائمة.
هذه المهام كانت تتماشى مع خارطة الطريق للإصلاح (2022–2026) التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية، والتي روجت لإدخال تغييرات بنيوية على المنظومة التعليمية بهدف رفع جودة التعلمات وتحقيق تحول نوعي في المدرسة العمومية.
– من الوعود إلى الانتقادات
على الرغم من الأهداف الطموحة، واجهت اللجنة منذ بدايتها انتقادات حادة من معلمين وأساتذة ومهتمين بالشأن التربوي، الذين رأوا أن العمل ظل محكوماً بمنطق تجريبي ظرفي، لا يرتبط بإستراتيجية واضحة أو برنامج زمني مضبوط، وأنها تفتقر إلى حكامة واضحة وأدوات تنفيذية قوية.
كما شكلت هذه الانتقادات امتدادًا لــ نقد أوسع لمسار إصلاح التعليم في المغرب، الذي ترى جهات سياسية ونقابية أنه أخفق في ترجمة الخطاب إلى ممارسات فعلية، لا سيما في ما يتعلق بالحوكمة وإشراك الفاعلين الأساسيين مثل الأساتذة والأكاديميين.

وفي هذا السياق، وجهت النقابة الوطنية للتعليم العالي في وقت سابق انتقادات لوزارة التعليم بسبب اعتماد مقاربات “تقنية ضيقة” في تعديل دفاتر الضوابط البيداغوجية دون إشراك فاعلين حقيقيين، مما يعكس تضاؤل الثقة في الآليات المعتمدة لقيادة الإصلاح.
– استقالة تحمل رسائل قوية
جاءت استقالة جنجار في ظرف يوصف بالـ”ملتَبس”، إذ أنه رغم مرور أكثر من سنة ونصف على تأسيس اللجنة، لم تستطع تحقيق تقدم ملموس في إصلاح المقررات الدراسية، بينما ظل الحديث عن المناهج في المغرب الحلقة الأضعف في سلسلة الإصلاحات الكبرى للمنظومة التعليمية.
– مصادر تربوية ترى أن الخطوة تكشف عمق الإشكالات البنيوية في كيفية إدارة هذا الورش:
غياب تصور مؤسساتي مستدام،
اعتماد مقاربات مجزأة تفتقر إلى استقلالية القرار،
ضعف الموارد البشرية والمالية الممنوحة للجنة،
وتحويل الإصلاح إلى إطار شكلي لا يتجاوز الخطابات السياسية.
– ردود أفعال متباينة
على المستوى السياسي، استغلت بعض الأطراف استقالة جنجار لتوجيه انتقادات أوسع للحكومة حول أداءها في ملف إصلاح التعليم، معتبرة أن الفشل في تفعيل آليات إصلاح المناهج يعكس تقصيرًا في تفعيل القانون الإطار 51.17 الذي يُعد المرجعية القانونية للإصلاح.
أما في الأوساط التربوية، فقد عبّر عدد من الأساتذة عن استياءهم من غياب مشاركة فعالة في كل مراحل الإصلاح، وتساءلوا عن مدى إدراك صانعي القرار للمشاكل الحقيقية التي تواجه المنظومة التعليمية على الأرض.
تُعد استقالة محمد الصغير جنجار من منصبه حدثًا رمزيًا يعكس أزمة أعمق في مسار إصلاح التعليم في المغرب، خصوصًا فيما يتعلق بالمناهج الدراسية التي تعتبر لبّ العملية التعليمية. فرغم أن اللجنة الدائمة وُضعت كركيزة أساسية لهذا الإصلاح، فإن سياق عملها والمخرجات المحققة حتى الآن تطرح أسئلة جوهرية حول مدى جدية ونجاعة المقاربات المعتمدة، وإمكانية الانتقال من الخطاب إلى الممارسة الفعلية التي تحدث تحولًا نوعيًا في المدرسة العمومية المغربية.