العدالة والتنمية يرفع سقف المواجهة: إحالة قانون “مجلس الصحافة” إلى المحكمة الدستورية

في خضمّ جدل واسع يشهده المغرب حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، قرّر حزب العدالة والتنمية (البيجيدي) أمس الاثنين أن يذهب أبعد من مجرد النقد السياسي أو المعارضة البرلمانية، ليضع قانون الصحافة أمام اختبار المحكمة الدستورية، معتبرًا أن نصّ القانون المقترح يمسّ باستقلالية الصحافة وبتنظيمها الذاتي، ويشكّل انقلابًا على المكتسبات الدستورية التي تمّت عبر دستور 2011.
وجاء في بلاغ صادر عن الأمانة العامة لحزب البيجيدي أن قيادة الحزب فوضت رئيس الفريق النيابي، عبد الله بووانو، التنسيق الكامل مع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، في مبادرة تهدف إلى إحالة القانون على المحكمة الدستورية للطعن في دستوريته، بعد أن انتهت كلّ محاولات المعارضة داخل البرلمان لإحداث تغييرات جذرية على النص.

– انتفاضة سياسية وقانونية
يأتي قرار البيجيدي في سياق متصاعد من الاحتجاجات والاعتراضات التي لم تقتصر على معارضي الحزب وحده، بل شملت مهنيين، نقابات، جمعيات حقوقية، وهيئات إعلامية واسعة، التي طالبت بإحالة القانون على المحكمة الدستورية، معتبرة أن المشروع ينحرف عن المبادئ الدستورية المتعلقة بحرية وتنظيم الصحافة.

وكانت خمس من أبرز الهيئات النقابية والمهنية في قطاع الصحافة والنشر قد وجّهت، في 29 دجنبر 2025، مراسلة رسمية لرئيس مجلس المستشارين تطالبه فيها بإحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية، بعد أن صادق مجلس المستشارين على المشروع في جلسة عمومية يوم 24 دجنبر 2025، تشهد توتّرًا واضحًا مع انسحاب مكونات المعارضة خلال التصويت.

– النصّ المثير للجدل: ما هي مضمونه؟
يندرج مشروع القانون، المعروف باسم **القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في إطار محاولة الحكومة لإعادة صياغة قواعد عمل المجلس بعد أن شهد وضعًا استثنائيًا دام سنوات، عقب انتهاء آجال المجلس السابق دون إجراء انتخابات جديدة. لكن المشروع أثار انتقادات واسعة بسبب عدد من التعديلات الجوهرية، منها:

تغيير آلية انتخاب أعضاء المجلس، فالصحافيون يُنتخبون بنظام الاقتراع السري الأسمى، بينما الناشرون يُنتخبون وفق معايير تعتمد على رقم المعاملات المالية، ما أثار انتقادات واسعة باعتباره يعطي ميزة للمؤسسات الأكبر ماليًا على حساب المهنية الفعلية.

350 * 350

منح صلاحيات تأديبية واسعة للمجلس، تشمل توقيف الصحف عن الصدور لفترات تصل إلى 30 يوماً، وهو ما رأى المعترضون أنه يضع سلطة حاسمة بيد جهة مهنية قد تكون خاضعة لضغوطات سياسية أو اقتصادية.
المعارضون يرون في هذه التعديلات تراجعًا عن تنظيم ذاتي ديمقراطي للمهنة، ويؤكدون أنها تنتهك الفصل 28 من الدستور المغربي الذي يؤكد على ضرورة تنظيم الصحافة وتنظيمها الذاتي بشكل يحترم الاستقلالية والمهنية، لا الخضوع لضغوطات مالية أو سياسية.

– تفاعلات الحكومة وبرامج الأغلبية
من جانبها، تدافع الحكومة وتيارات الأغلبية عن مشروع القانون، معتبرة أنه خطوة نحو تنظيم أكثر فعالية للقطاع، وأن التعديلات مقبولة لأنها تستجيب لحاجات المهنة في سياق تحولات إعلامية متسارعة. وأكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن أغلب الملاحظات التي أثارها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان تم الأخذ بها في تعديل مشروع القانون، وأنه صيغ بناءً على مقاربة تشاركية.

لكن هذا الموقف لم يلقَ قبولاً عند المهنيين، الذين اعتبروا الخطوات الحكومية تمييعًا لمبادئ التنظيم الذاتي التقليدية، بل وأن المشروع، كما صيغ مؤخراً، قد يقوّض حرية الصحافة بدل تعزيزها، خصوصاً في ما يتعلق بالتأثير على اختصاصات المجلس وقراراته التأديبية.

– العدالة والتنمية والتوجه الدستوري
يُنظر في أوساط البيجيدي إلى القرار بأنه تحرك منسجم مع التوجه الدستوري العام للحزب، الذي لطالما ربط بين احترام الحقوق الأساسية، بما فيها حرية الصحافة، وبين ضمانات دستورية مؤسسية. القرار بإحالة القانون إلى المحكمة الدستورية لا يعني بالضرورة رفضه كلّيًا، بل يدفع إلى مراجعة دستورية عادلة للنصّ قبل أن يصبح نافذًا، تجنباً لأي خلل مؤسساتي أو دستوري محتمل.
كما يرى الحزب أن الحكومة أخّرت الاعتراف بالإشكالات الدستورية الجوهرية في هذا القانون، فضلاً عن تبنيها نصوصًا تعتبره غير متناسقة مع قرارات سابقة للمحكمة الدستورية بخصوص مبادئ التنظيم الذاتي والمكتسبات المهنية.

انعكاسات محتملة على المشهد السياسي
لا يقتصر تأثير هذا الخلاف على القطاع الصحفي فحسب، بل يمتدّ إلى المشهد السياسي العام في المغرب، حيث يُنظر إليه كاختبار للعلاقة بين السلطة التشريعية والرقابية من جهة، وبين الحكومة والسلطة التنفيذية من جهة أخرى. كما يبرز الجدل دور المؤسسات الدستورية العليا في حماية المبادئ الأساسية عند تقاطعها مع خيارات تشريعية تُثير قلق قطاعات واسعة من المجتمع.
في انتظار قرار المحكمة الدستورية، الذي من المتوقع أن يكون له وقع مهم على مستقبل تنظيم الصحافة في المغرب، يبقى المجال مفتوحًا أمام النقاش العام والسياسي حول كيفية حماية حرية التعبير والاستقلالية المهنية في ظلّ التشريعات الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.