من حبة جافة إلى ثروة خضراء… كيف غيّر استنبات الشعير قواعد تربية الماشية؟

في صباح ربيعي هادئ، يفتح عبد القادر باب غرفة بسيطة بجوار ضيعته بدوار الصفصفات، ليكشف عن مشهد غير مألوف في عالم تربية الماشية: لا تبن ولا أعلاف تقليدية، بل صفوف منتظمة من صوانٍ معدنية تحتضن علفًا أخضر طريًا نما في أقل من أسبوع.

يقول بابتسامة واثقة: “إنه شعير… لكن بطريقة مختلفة تمامًا”.

– من المعاناة إلى الابتكار

لم يكن توجه عبد القادر نحو استنبات الشعير قرارًا عابرًا، بل نتيجة سنوات من الضغط بسبب غلاء الأعلاف وتقلبات السوق، خاصة مع توالي فترات الجفاف. وبعد أن ورث مهنة تربية الماشية، قرر البحث عن بديل يمنحه استقلالية أكبر في تغذية قطيعه.

هكذا وُلدت فكرة إنشاء وحدة لاستنبات الشعير على مساحة محدودة، لا تتجاوز عشرات الأمتار، لكنها تحمل إمكانيات إنتاجية كبيرة.

– تجربة بدأت من المطبخ

الشرارة الأولى انطلقت سنة 2018، عقب زيارة للمعرض الدولي للفلاحة بمكناس، حيث تعرّف عبد القادر على هذه التقنية. فور عودته، بدأ تجارب بسيطة داخل منزله باستخدام أدوات متاحة، وكانت النتائج مشجعة بشكل فاق توقعاته.

يستحضر تلك المرحلة قائلاً: “كانت تجربة متواضعة، لكنها أعطتني أملاً كبيرًا في التخلص من عبء الأعلاف المرتفعة”.

– مشروع جماعي بدعم مؤسساتي

مع تطور الفكرة، أدرك عبد القادر أن المشروع يحتاج إلى إمكانيات أكبر، فتوجه نحو البحث عن تمويل. وبعد سنوات من المحاولات، حصلت تعاونيته “إمزاغن مغران” على دعم من وكالة التنمية الفلاحية سنة 2024، فيما ساهم أعضاء التعاونية بتوفير الأرض.

بهذا التعاون، تحولت الفكرة الفردية إلى مشروع جماعي يستهدف خدمة الفلاحين بالمنطقة.

– انطلاقة واعدة ونتائج ملموسة

في نونبر 2024، انطلقت الوحدة رسميًا، وخلال أشهرها الأولى تم اختبار العلف على قطيع التعاونية. النتائج كانت واضحة: ارتفاع إنتاج الحليب وتحسن خصوبة الماشية، ما عزز ثقة القائمين على المشروع.

ومع مرور الوقت، تجاوز الإنتاج حاجيات التعاونية ليشمل فلاحين آخرين، خاصة في فترات الطلب المرتفع.

– أرقام تعكس الجدوى

350 * 350

تعتمد التقنية على تحويل كمية صغيرة من الشعير إلى علف أخضر في ظرف أسبوع. فكل 2 كيلوغرام من الحبوب يمكن أن تعطي أكثر من 20 كيلوغرامًا من العلف، بتكلفة منخفضة لا تتجاوز درهمًا واحدًا للكيلوغرام.

كما تصل القدرة الإنتاجية اليومية للوحدة إلى أكثر من طن، ما يجعلها نموذجًا فعالًا للاستثمار في المساحات الصغيرة.

– تقنية بسيطة… بفعالية عالية

يقوم استنبات الشعير على إنبات الحبوب داخل بيئة محكمة دون تربة، مع التحكم في الرطوبة والحرارة. وخلال أيام قليلة، تتحول الحبة إلى علف غني بالعناصر الغذائية وسهل الهضم.

ويؤكد خبراء أن هذه العملية ترفع القيمة الغذائية بشكل كبير، وتحسن صحة الحيوانات وإنتاجيتها، سواء في الحليب أو اللحوم.

– فوائد تتجاوز الاقتصاد

لا تقتصر مزايا الشعير المستنبت على تقليص التكاليف، بل تمتد إلى تحسين جودة التغذية وتقليل استهلاك الماء، إضافة إلى ضمان إنتاج مستمر طوال السنة.

كما يساهم في تقوية صمود الفلاحين أمام تقلبات المناخ والأسعار، خاصة في المناطق الجافة.

– دعم رسمي وتوجه نحو الاستدامة

تعتبر وزارة الفلاحة هذه التقنية من الحلول الواعدة ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر”، لما توفره من مردودية عالية واستهلاك منخفض للموارد، فضلاً عن دورها في تعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الأعلاف المستوردة.

– حل واعد… لكن بشروط

رغم نجاح التجربة، يؤكد المهنيون أن استنبات الشعير ليس حلاً سحريًا، بل خيارًا تقنيًا يتطلب تكوينًا جيدًا ومواكبة مستمرة، كما يجب إدماجه ضمن نظام تغذية متكامل.

نحو فلاحة أكثر مرونة

تجربة عبد القادر تعكس تحولًا أعمق في طرق الإنتاج الفلاحي، حيث لم يعد الفلاح مجرد مستهلك للأعلاف، بل منتجًا لها أيضًا. وبين تحديات المناخ وارتفاع التكاليف، يبرز استنبات الشعير كخيار عملي نحو تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستدامة.

ويختصر عبد القادر تجربته بجملة بسيطة:
“لسنا أمام حل لكل المشاكل… لكننا نبحث عن طريقة أفضل للتأقلم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.