تدخل أزمة الهجرة في سبتة المحتلة مرحلة جديدة، مع تحرك الحكومة الإسبانية لتوسيع قدرات الاستقبال في المدينة التي لا تزال تواجه ضغطاً كبيراً عقب موجة الدخول الجماعي التي شهدتها أواخر يوليوز. وفي محاولة لاحتواء الوضع، أعلنت مدريد عن تجهيز مرافق مؤقتة جديدة بطاقة إجمالية تقارب 1500 مكان، بالتزامن مع تكثيف التنسيق الحكومي لتدبير الأوضاع الإنسانية والأمنية والقانونية للمهاجرين الموجودين في المدينة.
وأعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايث، خلال زيارة قامت بها إلى سبتة، عن إنشاء أربعة مواقع مؤقتة مخصصة للاستقبال الإنساني، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تخفيف الضغط عن مرافق الإيواء الحالية وتوفير ظروف أفضل للأشخاص الذين ما زالوا في وضعية انتظار إلى حين تحديد وضعياتهم.
وتشمل المواقع الجديدة موقف السيارات بمنطقة لوما كولمينار، ومنشآت الفروسية، والملعب القديم التابع لثكنة سلاح الفرسان، إضافة إلى فضاء بمنطقة الغوانو. ومن المنتظر أن توفر هذه المواقع مجتمعة نحو 1500 مكان إضافي.
- تحرك حكومي لمواجهة تداعيات الأزمة
ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع اجتماع عقده رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عبر تقنية الفيديو، خصص لتقييم تطورات الوضع في سبتة وتنسيق الإجراءات الحكومية المرتبطة بالأزمة.
وشارك في الاجتماع عدد من الوزراء المكلفين بقطاعات أساسية، من بينها الداخلية والخارجية والدفاع والهجرة والسياسة الترابية والاقتصاد والشباب والطفولة، في مؤشر على اتساع نطاق التداعيات التي خلفتها موجة الدخول الجماعي.
وتركزت المباحثات على مواصلة تحديد هوية الأشخاص الموجودين في المدينة، وفرز وضعياتهم القانونية، إلى جانب توفير الرعاية الإنسانية وتعزيز الإجراءات الأمنية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى إعادة تنظيم منظومة الاستقبال التي تعرضت لضغط غير مسبوق.
- آلاف المهاجرين ما زالوا في المدينة
وتواجه سبتة تحدياً كبيراً في استيعاب الأعداد الموجودة على أراضيها، إذ تشير التقديرات الحكومية إلى بقاء آلاف المهاجرين في المدينة، فيما تفوق الاحتياجات الحالية الطاقة الاستيعابية المتاحة.
وقال وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، إن عدد المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة يقدر بنحو 5000 شخص، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن المدينة تحتاج إلى أكثر من 4000 مكان إضافي للتعامل مع الوضع القائم.
وتكشف هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه السلطات المحلية، خصوصاً أن عملية تدبير الأزمة لا تقتصر على توفير أماكن للإقامة، وإنما تشمل أيضاً الرعاية الصحية والمواكبة الاجتماعية وتحديد الوضع القانوني لكل حالة.
- بين اللجوء وإجراءات العودة

وفي موازاة الجانب الإنساني، تبرز إشكالية قانونية تتعلق بمصير الأشخاص الذين دخلوا المدينة بشكل غير نظامي ويطلبون الحماية الدولية.
وفي هذا السياق، شددت هيئات قضائية إسبانية على ضرورة دراسة طلبات اللجوء بشكل فردي، وعدم التعامل مع الدخول غير النظامي باعتباره سبباً تلقائياً لرفض طلبات الحماية، مع ضرورة التمييز بين مخالفة قواعد الدخول والحق في طلب اللجوء.
وتعمل السلطات، في المقابل، على فرز الحالات الموجودة في المدينة، بهدف تحديد الأشخاص الذين يمكن أن يخضعوا لإجراءات العودة، مقابل من تتطلب وضعيتهم دراسة طلب حماية دولية أو الاستفادة من الاستقبال لأسباب قانونية أو إنسانية.
- فيفاس يصعّد الضغط على مدريد
وعلى المستوى السياسي، تواصل حكومة سبتة الضغط على السلطة المركزية في مدريد من أجل تسريع معالجة الأزمة.
ومنح رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، الحكومة المركزية مهلة 30 يوماً لإيجاد حلول للوضع، ملوحاً باللجوء إلى القضاء ومؤسسات أخرى، بما فيها الهيئات الأوروبية، إذا لم يطرأ تغيير ملموس على واقع المدينة.
ويطالب فيفاس، منذ بداية الأزمة، بتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط البقاء في المدينة، في وقت تؤكد فيه مدريد أن معالجة الملفات يجب أن تتم وفق الأطر القانونية المعمول بها، خصوصاً بالنسبة إلى طالبي اللجوء والفئات الأكثر هشاشة.
- أزمة تتجاوز الإيواء
ولا تبدو أزمة سبتة مرتبطة فقط بنقص أماكن الاستقبال، إذ كشفت التطورات الأخيرة عن ضغوط متزامنة على الخدمات الصحية والاجتماعية والأمنية في المدينة.
وقد دفعت الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المهاجرين السلطات إلى البحث عن فضاءات إضافية للإيواء، بينما لا تزال عملية تحديد الوضعيات القانونية جارية. كما أثارت أوضاع بعض القاصرين والمهاجرين غير المصحوبين مخاوف إضافية بشأن الحماية والرعاية، ما جعل تدبير هذه الفئة أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الحالية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار تداعيات موجة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، والتي دفعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز حضورها الأمني وتوسيع آليات الاستقبال والمواكبة الإنسانية. كما استمرت التحركات المغربية والإسبانية على المستوى الأمني لمنع تكرار موجة عبور جماعي جديدة.
وبين مساعي مدريد لتوسيع قدرات الإيواء، وضغوط حكومة سبتة لتخفيف أعداد المهاجرين، والتعقيدات المرتبطة بطلبات اللجوء والعودة، تظل المدينة أمام أزمة متعددة الأبعاد، لن يكون توفير 1500 مكان إضافي كافياً وحده لحسمها، ما لم ترافقه حلول قانونية وإنسانية وأمنية لمعالجة أوضاع الآلاف الموجودين فيها.