لم يعد الرهان بالنسبة للاستثمارات الصينية في المغرب مرتبطاً فقط بجاذبية السوق المغربية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتها على مواكبة القواعد الجديدة التي تضعها أوروبا للصناعة والتجارة. فمع توجه الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد قانون للتسريع الصناعي، تبرز تساؤلات حول مستقبل الشركات الصينية التي اختارت المغرب قاعدة للإنتاج والتصدير نحو السوق الأوروبية، ومدى قدرتها على الحفاظ على تنافسيتها في ظل شروط أكثر صرامة.
ويهدف مشروع القانون، الذي اقترحته المفوضية الأوروبية، إلى تعزيز الصناعة الأوروبية وتقليل اعتماد الاتحاد على الخارج في عدد من القطاعات وسلاسل الإمداد الحيوية. ويرى خبراء أن بعض مقتضياته قد تشكل تحدياً خاصاً أمام الصين، باعتبارها من أبرز القوى الصناعية المنافسة لأوروبا.
المغرب لا يبدو أمام خطر فقدان الاستثمارات
ورغم هذه التحولات، يستبعد محللون اقتصاديون مغاربة وصينيون أن يؤدي القانون الأوروبي، في حال اعتماده، إلى تراجع كبير في الاستثمارات الصينية بالمغرب.
ويعود ذلك، بحسب الخبراء، إلى أن اختيار المغرب من طرف الشركات الصينية لا يرتبط بالسوق الأوروبية وحدها، وإنما يستند إلى مجموعة من العوامل، من بينها الموقع الجغرافي للمملكة، وتطور بنيتها التحتية والصناعية، وتوفرها على موارد طبيعية، فضلاً عن قربها من الأسواق الأوروبية والإفريقية.
ويرى الخبير الاقتصادي يوسف الكراوي الفيلالي أن المغرب لن يتضرر بشكل مباشر من هذه التطورات، بالنظر إلى اندماجه في سلاسل الإنتاج الدولية ووجود شركاء ومستثمرين أوروبيين داخل منظومته الصناعية.
التحدي الحقيقي.. تكلفة الإنتاج
لكن استمرار الاستثمارات الصينية بالمغرب لا يعني غياب التحديات.
فالشركات الصينية التي تنتج في المملكة بهدف التصدير إلى أوروبا ستكون مطالبة بالحفاظ على أسعار تنافسية، خصوصاً في ظل الرسوم الجمركية وتكاليف النقل ومتطلبات السوق الأوروبية.
ومن هنا، يصبح التحكم في تكلفة الإنتاج عاملاً حاسماً بالنسبة للمستثمر الصيني، إذ إن ارتفاع التكلفة قد يؤثر على قدرة المنتجات المصنعة بالمغرب على المنافسة داخل السوق الأوروبية.
كما ستحتاج الشركات إلى احترام معايير صارمة تتعلق بالجودة والمواصفات الصناعية والبيئية.
البيئة تدخل بقوة في المعادلة
ومن أبرز الملفات التي قد تفرض نفسها على الاستثمارات الصينية، مسألة الانبعاثات الكربونية.

فالسوق الأوروبية تتجه بشكل متزايد نحو تشديد المعايير البيئية وربط القدرة على الولوج إلى الأسواق بمستوى احترام الشركات للمعايير المتعلقة بخفض الانبعاثات.
وبالتالي، لن يكون كافياً أن تنتج الشركات الصينية داخل المغرب، بل سيكون عليها أيضاً ضمان أن عمليات الإنتاج والمنتجات النهائية تتوافق مع المتطلبات الأوروبية.
السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة في الواجهة
ويبرز قطاعا السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة ضمن المجالات التي يمكن أن تعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين المغرب والصين.
فالصين تمتلك خبرة وقدرات صناعية وتكنولوجية كبيرة في هذه المجالات، بينما يوفر المغرب موقعاً جغرافياً استراتيجياً وقرباً من أوروبا وإفريقيا، إضافة إلى إمكانات مهمة في مجال الطاقات المتجددة والموارد المعدنية.
ويرى المحلل الاقتصادي الصيني نادر رونغ هوان أن هذه المزايا المتكاملة تجعل التعاون بين البلدين أكثر صلابة، معتبراً أن القانون الأوروبي المرتقب لن يكون كافياً لوحده لتغيير توجه المستثمرين الصينيين نحو المغرب.
فرصة للمغرب لتعزيز موقعه الصناعي
وقد تتحول هذه التحولات الأوروبية، في المقابل، إلى فرصة أمام المغرب لتعزيز موقعه كمنصة صناعية تربط بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
فكلما تمكنت المملكة من توفير بيئة صناعية تنافسية، وبنيات تحتية متطورة، وطاقة نظيفة، وسلاسل إنتاج متكاملة، زادت قدرتها على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الراغبة في الوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يبدو أن التحدي المقبل لا يتمثل في هل ستغادر الشركات الصينية المغرب؟ بقدر ما يتمثل في هل ستتمكن هذه الشركات من التأقلم مع قواعد السوق الأوروبية الجديدة؟
قواعد جديدة.. واستثمارات أمام اختبار التكيف
وبينما تتجه أوروبا إلى حماية صناعتها وتقليص اعتمادها على الخارج، تجد الشركات الصينية نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب حساباتها، خصوصاً تلك التي تعتمد على المغرب كقاعدة للإنتاج والتصدير.
أما المغرب، فيبدو أمام فرصة لتعزيز دوره كحلقة وصل صناعية وتجارية بين أوروبا والصين وإفريقيا، شريطة مواصلة تطوير تنافسيته الصناعية والبيئية.
وبذلك، قد لا يكون القانون الأوروبي نهاية الطريق أمام الاستثمارات الصينية في المغرب، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها: إنتاج أكثر تنافسية، ومعايير أكثر صرامة، وقدرة أكبر على التكيف مع قواعد السوق الأوروبية.