أزمة سبتة تهز أوروبا.. تقرير يحذر من مستقبل قاتم للهجرة واللجوء

م.ب

أعادت أزمة العبور الجماعي إلى سبتة، أواخر يوليوز الماضي، طرح أسئلة حادة حول مستقبل سياسة الهجرة واللجوء في أوروبا، بعدما خلص تقرير أوروبي حديث إلى أن الأحداث كشفت هشاشة التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي، وتصاعد المقاربة الأمنية، وتراجع الضمانات المرتبطة بحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.

ويرى التقرير أن أزمة سبتة لم تكن مجرد حادث حدودي استثنائي، بل شكلت اختباراً فعلياً للسياسة الأوروبية الجديدة في مجال الهجرة واللجوء، في وقت تواجه فيه الدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد ضغوطاً متزايدة، بينما لا تزال آليات تقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء تواجه صعوبات في التطبيق.

  • سبتة تختبر التضامن الأوروبي

وشكلت موجة العبور الجماعي، التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، واحدة من أكبر الأزمات الحدودية التي واجهتها إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما وصل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة خلال فترة قصيرة.

وبحسب التقرير، كشفت الأزمة عن تباين واضح في مواقف الدول الأوروبية، بدل أن تؤدي إلى استجابة جماعية منسقة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال مدى فعالية مبدأ التضامن الأوروبي عندما تواجه دولة من دول الاتحاد ضغطاً استثنائياً على حدودها الخارجية.

ويرى التحليل أن الأزمة أظهرت استمرار تغليب الحسابات الوطنية على العمل الأوروبي المشترك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف الهجرة الذي أصبح من أكثر الملفات حساسية داخل عدد من الدول الأوروبية.

  • تحذيرات من تشدد أكبر

وحذر التقرير من أن استمرار المقاربة الحالية قد يقود إلى مستقبل أكثر صعوبة بالنسبة للمهاجرين وطالبي اللجوء، مع تنامي الاعتماد على تشديد مراقبة الحدود وتسريع إجراءات العودة.

ويعتبر التقرير أن هذه السياسة قد تؤدي إلى تقليص فرص الوصول إلى إجراءات الحماية بالنسبة لبعض الأشخاص، خصوصاً القادمين من دول تشهد أزمات أو نزاعات، في وقت أصبحت فيه الحدود الأوروبية أكثر صرامة.

كما حذر من أن الضغط على طرق الهجرة المعروفة لا يؤدي بالضرورة إلى وقف محاولات العبور، بل قد يدفع المهاجرين إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر خطورة، وهو ما يرفع مخاطر الوفيات على الحدود.

  • جدل حول عمليات الإعادة

وأثار التعامل مع الوافدين إلى سبتة بعد الأزمة نقاشاً حول مدى احترام الضمانات القانونية خلال عمليات العودة.

ويرى التقرير أن تسريع إجراءات الإعادة يجب ألا يتم على حساب حق الأشخاص في طلب الحماية أو دراسة أوضاعهم بشكل فردي، محذراً من مخاطر تحويل العودة إلى إجراء سريع لا يراعي الظروف الخاصة لبعض المهاجرين وطالبي اللجوء.

350 * 350

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى القاصرين والأشخاص الذين قد تكون لديهم أسباب قانونية أو إنسانية تمنحهم حق طلب الحماية.

  • الهجرة تتحول إلى ورقة سياسية

ولم تقتصر تداعيات أزمة سبتة على الجوانب الإنسانية والقانونية، إذ أعادت الهجرة إلى صدارة التجاذبات السياسية الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن بعض التيارات السياسية تستثمر أزمات الهجرة في تعزيز خطاب يربط الوافدين بالأمن والخطر، وهو ما قد يساهم في نشر الخوف وتحويل قضية إنسانية معقدة إلى ورقة انتخابية.

كما لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في الأزمة، بعدما ساهمت معلومات ومزاعم غير دقيقة بشأن فتح الحدود في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى سبتة، ما يكشف خطورة المعلومات المضللة عندما تتقاطع مع اليأس الاقتصادي والرغبة في الوصول إلى أوروبا.

  • أوروبا أمام اختبار جديد

وتتجه السياسة الأوروبية بشكل متزايد نحو تعزيز التعاون مع دول خارج الاتحاد الأوروبي في مجالات مراقبة الحدود والعودة واستقبال المهاجرين.

غير أن التقرير يحذر من أن الاعتماد المفرط على هذه المقاربة قد يخلق مشاكل جديدة، خصوصاً إذا لم ترافقه ضمانات واضحة لحماية حقوق الإنسان، وآليات فعالة لمعالجة أسباب الهجرة ودعم الدول التي تشكل نقاط عبور.

وتخلص القراءة إلى أن أزمة سبتة كشفت أن التعامل مع الهجرة لا يمكن أن يقوم على الحلول الأمنية وحدها، لأن الظاهرة ترتبط أيضاً بالفقر والبطالة والنزاعات والأزمات الاجتماعية، إضافة إلى تأثير شبكات التواصل وشبكات تهريب البشر.

  • أزمة سبتة.. إنذار أوروبي

وتضع التطورات الأخيرة الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ مزدوج: حماية حدوده الخارجية من جهة، وضمان احترام حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء من جهة أخرى.

ويرى التقرير أن استمرار السياسات الحالية من دون مراجعة عميقة قد يجعل الأزمات الحدودية المقبلة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا استمرت الدول الأعضاء في التعامل مع الهجرة باعتبارها مسؤولية وطنية أكثر منها تحدياً أوروبياً مشتركاً.

وبذلك، تحولت أزمة سبتة من مجرد موجة عبور استثنائية إلى اختبار حقيقي لمستقبل سياسة الهجرة الأوروبية، ومدى قدرة الاتحاد على تحقيق التوازن بين أمن الحدود، وتقاسم المسؤوليات، وحماية حقوق الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.