طنجة – يعيش قطاع الخياطة والنسيج بمدينة طنجة على وقع أزمة متصاعدة في اليد العاملة، بعدما أصبحت عدد من المعامل تجد صعوبة في توفير العمال بالعدد والسرعة المطلوبين لمواكبة الطلبيات، خصوصاً خلال فترات الذروة.
وأمام ضغط الإنتاج وضيق آجال التسليم، لجأت بعض الوحدات إلى الاستعانة بما يعرف محلياً بـ**«العطّاشة» أو «الكونتا»**، في محاولة لتأمين اليد العاملة بشكل سريع ومرن، غير أن هذا الأسلوب بدأ يطرح إشكالات تتجاوز مجرد سد الخصاص، بعدما ساهم في دفع جزء من العمال إلى مغادرة المعامل والاشتغال ضمن فرق تعتمد العمل بالقطعة.
- ضغط الطلبيات يغيّر طريقة اشتغال المعامل
يرتبط لجوء بعض المقاولات إلى هذا النمط من التشغيل بالتذبذب الكبير في حجم الطلبيات، إذ تعرف المصانع أحياناً فترات يرتفع فيها الطلب بشكل كبير، قبل أن يتراجع بوتيرة سريعة.
ويضع هذا الوضع أرباب المعامل أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة، يحتاج المصنع إلى عدد كبير من العمال خلال فترات الذروة لضمان احترام آجال التسليم، ومن جهة أخرى، يصعب عليه الاحتفاظ بالعدد نفسه عندما تنخفض الطلبيات.
لهذا السبب، أصبح العمل بالقطعة بالنسبة لبعض الوحدات وسيلة لتوفير يد عاملة إضافية بشكل مؤقت، من خلال إسناد جزء من عمليات الإنتاج إلى مجموعات من العمال مقابل كمية محددة من العمل وفي مدة زمنية معينة.
غير أن انتشار هذا الأسلوب بدأ يؤثر بدوره على استقرار اليد العاملة داخل المعامل.
- «العطّاشة» يستقطبون العمال
في ظل المنافسة المتزايدة على العمال، أصبح بعض الوسطاء يلعبون دوراً في استقطاب اليد العاملة وتنظيم فرق تشتغل خارج الارتباط المباشر بالمصنع.
ويجد عدد من العمال في هذا النمط من الاشتغال جاذبية أكبر، خصوصاً عندما تكون المردودية مرتبطة بكمية الإنتاج المنجزة، ما يسمح للعامل المتمرس بتحقيق دخل قد يكون أعلى من الأجر الثابت الذي يحصل عليه داخل المصنع.
كما يمنح هذا الأسلوب، بالنسبة لبعض العمال، هامشاً أكبر في اختيار مكان ووتيرة العمل، وهو ما يجعل الاحتفاظ بهم داخل المعامل أكثر صعوبة.
وبذلك، أصبحت بعض الوحدات الصناعية تواجه وضعاً paradoxalاً: تحتاج إلى مزيد من العمال، لكنها تفقد في الوقت نفسه جزءاً من اليد العاملة التي راكمت خبرة داخلها.
- من حل مؤقت إلى مصدر للاختلال
لا يمثل العمل بالقطعة في حد ذاته بالضرورة مشكلة، خصوصاً عندما يتم في إطار قانوني ومنظم. لكن الإشكال يبرز عندما يتم تشغيل العمال خارج التصريح والحماية الاجتماعية، أو عندما تصبح العلاقة بينهم وبين المصنع تمر حصراً عبر وسطاء.
في هذه الحالات، قد يقتصر دور المصنع على تحديد حجم الإنتاج والآجال، بينما يتولى الوسيط توفير العمال وتوزيع المهام وأداء الأجور.

وهذا الوضع يطرح تحديات مرتبطة بحقوق العمال، والتغطية الاجتماعية، وساعات العمل، والأجور، فضلاً عن المسؤولية عن ظروف الاشتغال.
كما يمكن أن يؤدي إلى استغلال اليد العاملة عندما يتم رفع وتيرة الإنتاج أو تمديد ساعات العمل من أجل تحقيق الكمية المطلوبة، دون أن يستفيد العامل من الضمانات نفسها التي يوفرها العمل المباشر والمنظم.
- الخصاص لا يتعلق بالعدد فقط
أزمة قطاع النسيج بطنجة لا تتوقف عند نقص العمال، بل تمتد إلى صعوبة العثور على يد عاملة مؤهلة.
فالخياطة والتفصيل ومراقبة الجودة وتشغيل الآلات تتطلب خبرة ومهارات يتم اكتسابها تدريجياً، ما يجعل فقدان العمال المتمرسين خسارة حقيقية بالنسبة إلى المقاولات.
وتزداد صعوبة الوضع عندما ينتقل هؤلاء العمال إلى فرق تشتغل بالقطعة أو إلى قطاعات أخرى توفر لهم مردودية أفضل، إذ يصبح تعويضهم بعمال جدد أمراً يحتاج إلى وقت وتكوين.
كما أن ظروف العمل ومستويات الأجور تظل من العوامل المؤثرة في جاذبية القطاع، خصوصاً في ظل المنافسة بين مختلف الأنشطة الصناعية على اليد العاملة.
قطاع أمام تحدي الاستقرار
ويضع هذا الوضع قطاع النسيج أمام تحدٍ مزدوج: ضمان المرونة اللازمة لمواكبة تقلبات الطلبيات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على يد عاملة مستقرة ومؤهلة.
فالاستعانة بـ«العطّاشة» قد تساعد بعض المعامل على تجاوز فترات الضغط وتلبية طلبيات مستعجلة، لكنها تظل حلاً ظرفياً لا يعالج الأسباب العميقة لأزمة اليد العاملة.
وتبدو الحاجة ملحة إلى جعل العمل في قطاع النسيج أكثر جاذبية، من خلال تحسين ظروف الاشتغال، وتطوير التكوين المهني، وتشجيع الاستقرار داخل المقاولات، إلى جانب ضمان احترام القواعد القانونية والاجتماعية المنظمة للعمل.
- «العطّاشة».. انعكاس لأزمة أكبر
ما يجري داخل عدد من معامل النسيج بطنجة يعكس تحولات أوسع في سوق الشغل الصناعي. فحين يصبح المصنع مضطراً للبحث عن العمال عبر وسطاء، وحين يفضل بعض العمال العمل بالقطعة بدل الارتباط بعقد مباشر، فإن الأمر لا يتعلق فقط بطريقة تشغيل، وإنما بمؤشرات على وجود اختلال في العلاقة بين حاجيات المقاولات وانتظارات اليد العاملة.
وبالنسبة إلى قطاع يشكل أحد أعمدة النشاط الصناعي بطنجة، فإن استمرار هذه الوضعية قد ينعكس على الإنتاج والاستثمار واستقرار الكفاءات.
لذلك، فإن معالجة أزمة اليد العاملة تقتضي تجاوز الحلول المؤقتة، والانتقال إلى مقاربة تضمن للمقاولات القدرة على الاستجابة للطلبيات، وللعمال في المقابل حقوقاً واضحة وظروف عمل أكثر استقراراً، بما يحافظ على تنافسية قطاع النسيج ويضمن استمراريته.