أزمة الهجرة في سبتة تتصاعد.. إخلاء الشاطئ والجدل يحتدم حول مصير القاصرين

م.ب

سبتة المحتلة – تحولت أزمة المهاجرين في سبتة المحتلة إلى مشهد جديد من التوتر، بعدما أطلقت السلطات الإسبانية عملية واسعة لإخلاء شاطئ إل ترامبولين من مئات المهاجرين الذين اتخذوا منه، خلال الأسابيع الماضية، مأوى في ظروف صعبة، قبل أن يعود جزء منهم إلى المكان ساعات فقط بعد نقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة.

العملية، التي شاركت فيها الشرطة الوطنية والحرس المدني، جاءت في إطار خطة لإعادة توزيع المهاجرين الموجودين في الشوارع والشواطئ على فضاءات استقبال مؤقتة، في محاولة لتخفيف الضغط الذي باتت تواجهه المدينة عقب موجة الهجرة الجماعية الأخيرة.

  • نحو 1700 مهاجر يغادرون الشاطئ

بدأت العملية في الساعات الأولى من صباح الخميس، قبل أن ينطلق المهاجرون، تحت مواكبة أمنية، في اتجاه مراكز الاستقبال الجديدة.

وغادر نحو 1700 شخص الشاطئ سيراً على الأقدام، فيما جرى تخصيص حوالي 1800 مكان في المرحلة الأولى لاستقبال المهاجرين الذين يعيشون في ظروف غير مستقرة داخل المدينة.

وجرى توزيع الوافدين على فضاءين مختلفين بحسب مناطق الأصل، حيث وُجه القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء إلى مركز في منطقة لوما مارغاريتا، بينما نُقل المهاجرون من أصول مغاربية إلى منطقة لوما كولمينار القريبة من معبر تاراخال.

وبررت السلطات هذا الفصل بالرغبة في تفادي احتكاكات محتملة، بعدما شهدت الأسابيع الماضية مواجهات بين مجموعات من المهاجرين من أصول مختلفة.

  • من الشاطئ إلى مراكز الإيواء

لم يكن شاطئ إل ترامبولين مجرد نقطة تجمع عابرة، إذ تحول خلال الفترة الماضية إلى مكان لإقامة خيام وملاجئ مؤقتة، في ظل غياب أماكن كافية للإيواء.

ومع تدهور ظروف المعيشة، اضطر عدد من المهاجرين إلى النوم في العراء أو داخل منشآت بدائية، مع الاعتماد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية للحصول على الطعام والحاجيات الأساسية.

وكانت السلطات الإسبانية تعتزم، بعد إخلاء المكان، الشروع في عمليات تنظيف وتطهير واسعة وإعادة فتح الشاطئ أمام الاستخدام العادي، مع اتخاذ إجراءات لمنع تشكل مخيم جديد.

لكن الخطة لم تسر كما كان متوقعاً.

  • نحو 500 مهاجر يعودون إلى الشاطئ

بعد ساعات من عملية الإخلاء، عاد حوالي 500 مهاجر إلى إل ترامبولين، ما دفع السلطات إلى تعليق أشغال التنظيف التي كانت قد بدأت بالفعل.

ويعكس هذا التطور حجم الصعوبة التي تواجهها السلطات الإسبانية في التعامل مع الأشخاص الذين يرفضون مغادرة سبتة، رغم توفير أماكن إيواء مؤقتة لهم.

350 * 350

وبالنسبة إلى عدد من المهاجرين، لا تبدو مراكز الاستقبال سوى محطة مؤقتة في انتظار فرصة للانتقال إلى شبه الجزيرة الإسبانية، فيما يصر آخرون على البقاء بالقرب من الشاطئ أو في المناطق الغابوية المحيطة بالمدينة.

ويقول بعض المهاجرين إن دوافعهم ترتبط أساساً بالبحث عن ظروف اقتصادية أفضل وفرص عمل، بينما ينحدر آخرون من مناطق تعرف أزمات وصراعات، ما يجعل دوافع الهجرة مختلفة من شخص إلى آخر.

  • القاصرون.. الملف الأكثر حساسية

وبالتوازي مع أزمة الشاطئ، يبرز ملف القاصرين المغاربة وغير المصحوبين باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في تدبير الوضع الجديد بسبتة.

فالجدل لم يعد مقتصراً على أماكن الإيواء، بل امتد إلى مستقبل القاصرين الذين وصلوا إلى المدينة خلال موجة الهجرة الأخيرة، وسط مطالب سياسية بإعادتهم إلى المغرب.

غير أن المسار القانوني الإسباني والأوروبي يفرض، في حالات القاصرين، ضمانات وإجراءات خاصة قبل اتخاذ قرار الإعادة، مع ضرورة دراسة كل حالة بشكل منفرد ومراعاة مصلحة الطفل وعدم إعادته إلى وضع قد يهدد سلامته أو يحرم من الحماية اللازمة.

وتؤكد السلطات القضائية الإسبانية أن الإعادة، من حيث المبدأ، ممكنة في بعض الحالات، لكنها لا يمكن أن تتم بشكل آلي أو فوري، بل تتطلب استيفاء مجموعة من الشروط القانونية والضمانات المتعلقة بحماية القاصرين.

  • مدريد تحت ضغط أوروبي وسياسي

في المقابل، يتواصل الضغط على الحكومة الإسبانية من أجل إيجاد حل للوافدين الذين ما زالوا في سبتة، خصوصاً مع محدودية القدرة الاستيعابية للمدينة.

وتؤكد المؤسسات الأوروبية ضرورة تنظيم عمليات العودة وفق القانون، مع ضمان حماية الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة، فيما تعمل مدريد والرباط على تدبير ملف العودة ضمن الأطر القانونية المعمول بها.

وفي الداخل الإسباني، تحول ملف المهاجرين والقاصرين إلى موضوع سياسي ساخن، مع تصاعد المطالب بتشديد إجراءات العودة وتحميل الحكومة مسؤولية تدبير الأزمة.

أما المغرب، فيؤكد من جهته ضرورة عودة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، مع التشديد على أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم عبر القنوات القانونية والسياسية المناسبة.

  • أزمة تتجاوز حدود الشاطئ

وتكشف التطورات المتلاحقة في إل ترامبولين أن أزمة الهجرة في سبتة لم تنته بانتهاء موجة العبور الجماعي، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بمصير آلاف الأشخاص الذين بقوا داخل المدينة، وبقدرة السلطات على توفير الإيواء والخدمات الأساسية لهم، بالتوازي مع تدبير ملفات العودة والقاصرين.

وإذا كان نقل المهاجرين من الشاطئ قد خفف مؤقتاً من مظاهر الأزمة، فإن عودة مئات الأشخاص إلى المكان في اليوم نفسه أظهرت أن المشكل لا يرتبط فقط بمكان الإقامة، وإنما بمستقبل هؤلاء المهاجرين والخيارات القانونية والإنسانية المتاحة أمامهم.

وبذلك، تدخل أزمة سبتة مرحلة جديدة، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الضغوط السياسية والأمنية، فيما يبقى ملف القاصرين والعودة إلى المغرب من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المرحلة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.