مع اقتراب عام 2025 من نهايته، أُسدل الستار على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في قطاع الصحة، وهو ملف تضارب المصالح في صفقات الأدوية، من دون أن يبلغ محطته الطبيعية: تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق تكشف ما جرى وتحدّد المسؤوليات. نهاية وُصفت من قبل متابعين بأنها «إجرائية» في الشكل، لكنها عميقة الدلالة في المضمون، إذ أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة جديدة حول الشفافية، والحوكمة، وحدود المساءلة في الصفقات العمومية الحسّاسة.
– بداية الجدل: مؤشرات وشبهات
انطلقت القضية مع تسريبات وتقارير متقاطعة تحدثت عن اختلالات محتملة في مسار إبرام صفقات توريد أدوية ومستلزمات طبية، شملت – وفق ما راج – تضارباً في المصالح بين مسؤولين عموميين وجهات مورّدة، أو على الأقل غياباً صارخاً لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
ورغم أن هذه المعطيات لم تتحول إلى اتهامات قضائية صريحة، فإنها كانت كافية لإشعال نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والنقابية والحقوقية، خاصة بالنظر إلى حساسية القطاع الصحي وارتباطه المباشر بحق المواطنين في العلاج.
– مطالب بلجنة تقصّي حقائق
في ذروة الجدل، تعالت الأصوات المطالِبة بتشكيل لجنة مستقلة لتقصّي الحقائق، تكون مهمتها فحص مسارات الصفقات، والتثبت من مدى احترام القوانين، والكشف عن أي تداخل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.
اعتبر أصحاب هذا الطرح أن اللجنة ليست أداة إدانة مسبقة، بل آلية ديمقراطية لتبديد الشكوك، وحماية المؤسسات، وترسيخ الثقة بين الدولة والرأي العام. في المقابل، رأت أطراف أخرى أن اللجوء إلى مثل هذه اللجان قد يحمل طابعاً سياسياً أو يوظَّف لتصفية حسابات، داعية إلى الاكتفاء بالمسارات الرقابية التقليدية.

– مسار متعثر ونهاية مفتوحة
رغم الزخم الإعلامي والضغط المتواصل، ظلّ مسار تشكيل اللجنة متعثراً. تباينت التبريرات بين اعتبارات قانونية، وحجج تتعلق بعدم كفاية المعطيات، وأخرى مرتبطة بأولويات تشريعية وتنفيذية مختلفة.
ومع مرور الوقت، تراجع الملف تدريجياً عن صدارة الاهتمام، إلى أن انتهى العام من دون قرار رسمي يُفضي إلى تشكيل اللجنة، ما اعتُبر بمثابة إغلاق غير معلن للملف، أو على الأقل وضعه في «منطقة رمادية».
-تداعيات تتجاوز الملف نفسه
لا تقتصر آثار هذه النهاية على ملف صفقات الأدوية وحده، بل تمتد إلى صورة منظومة الحوكمة برمتها. فغياب آلية تحقيق مستقلة في قضية بهذا الحجم يعمّق الشكوك لدى الرأي العام، ويغذّي الإحساس بأن بعض الملفات تُدار بمنطق الاحتواء لا الكشف.
كما يطرح الأمر تساؤلات حول فعالية أدوات الرقابة القائمة، وقدرتها على التعامل مع قضايا معقّدة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد بالصحة.
– بين القانون والسياسة
من الناحية القانونية، يؤكد مختصون أن عدم تشكيل لجنة تقصّي حقائق لا يعني بالضرورة انتفاء المخالفات أو ثبوتها، لكنه يضيّع فرصة ثمينة لتوثيق الوقائع وبناء سوابق مؤسسية في التعامل مع شبهات تضارب المصالح.
أما سياسياً، فيُقرأ هذا التطور – أو غيابه – كرسالة مزدوجة: تهدئة مؤقتة للتجاذبات من جهة، وتأجيل لمواجهة أسئلة محرجة من جهة أخرى.
– ملف أُغلق أم ثقة تآكلت؟
قد يكون ملف تضارب المصالح في صفقات الأدوية قد طُوي إجرائياً مع نهاية 2025، لكن أثره الرمزي ما زال مفتوحاً. فالقضية لم تكن فقط حول صفقات وأرقام، بل حول مبدأ أساسي: هل تُدار القطاعات الحيوية بأقصى درجات الشفافية والمساءلة؟
في غياب لجنة لتقصّي الحقائق، يبقى السؤال معلّقاً، وتبقى الثقة – وهي العملة الأندر في الشأن العام – على المحك.