عاد ملف أحداث سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي بالمغرب، بعد تصريحات مثيرة للجدل أطلقها الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، الذي وصف ما جرى على مستوى المراكز الحدودية وفي محيط مدينة سبتة المحتلة بـ«المؤامرة»، متسائلاً عن الجهات التي قد تكون استفادت من تلك التطورات، وموجهاً في الوقت نفسه انتقادات حادة إلى الحكومة بسبب ما اعتبره غياباً إعلامياً وسياسياً خلال فترة كانت فيها وسائل الإعلام الدولية تنقل الأحداث من عين المكان.
وخلال لقاء احتضنته مؤسسة الفقيه التطواني بالرباط، الثلاثاء، قدّم لشكر قراءته الخاصة للأحداث التي عرفتها المنطقة نهاية يوليوز الماضي، مؤكداً أنه لا يدّعي امتلاك جميع خيوط ما وصفه بـ«المؤامرة»، لكنه يرى أن هناك، وفق تقديره، أطرافاً متعددة قد تكون استفادت مما جرى.
وقال لشكر، في هذا السياق، إنه لا يملك «كل خيوط تحليل المؤامرة»، قبل أن يضيف أن تحليله لما وقع يقوده إلى الاعتقاد بوجود «عدة أطراف مستفيدة»، معتبراً أن ما حدث كان يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على المغرب والمغاربة.
لشكر: المشهد على الأرض لم يكن كما تم تقديمه
وفي محاولة لتفسير خلفيات الأحداث، استعاد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي مشاهد قال إنه عاينها بنفسه أثناء عودته إلى منزله، مشيراً إلى أنه شاهد أعداداً كبيرة من الشباب في الطريق.
وبحسب روايته، فإن هؤلاء الشباب بدوا له في وضع اجتماعي عادي، مستشهداً بهندامهم والهواتف التي كانوا يحملونها وطريقة تواصلهم وحركاتهم، وهو ما دفعه إلى التساؤل حول طبيعة الدوافع التي كانت وراء تحركهم.
ويقول لشكر إن الصورة التي شاهدها على الأرض لم تنسجم، في تقديره، مع بعض القراءات التي جرى تداولها لاحقاً في وسائل الإعلام الدولية، وهو ما جعله يطرح أسئلة بشأن خلفيات ما حدث والجهات التي استفادت منه.
من سبتة إلى إيران وغزة ونتنياهو.. لشكر يحذر من «تدويل» الرواية
ولم تتوقف ملاحظات لشكر عند ما عاينه ميدانياً، إذ تحدث عن الطريقة التي تلقّت بها الأوساط السياسية والإعلامية الدولية أحداث سبتة.
وأشار إلى أن عدداً من الأحزاب الاشتراكية الدولية، ومن بينها مكونات داخل الأممية الاشتراكية، سارعت إلى إصدار مواقف بشأن الأحداث، معتبراً أن بعض القراءات الخارجية أخذت أبعاداً سياسية وجيوسياسية أوسع من الواقعة نفسها.
وقال إن بعض التفسيرات حاولت ربط الأحداث بملفات إقليمية ودولية، من بينها إيران وغزة وفلسطين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبراً أن إدخال المغرب في مثل هذه الحسابات قد تكون له تداعيات خطيرة على صورة البلاد خارجياً.
«الزومبي» والأسوار.. تحذير من تداعيات الصورة في الخارج
وفي أكثر تصريحاته إثارة، تحدث لشكر عن ما اعتبره خطورة الصورة التي قال إن بعض البلاغات السياسية والإعلامية الخارجية كرستها عن المغاربة.
وأشار إلى أن الأمر وصل، بحسب روايته، إلى ظهور أصوات تنظر إلى المغاربة باعتبارهم مصدر تهديد، بل وتدعو إلى إقامة أسوار تحول دون وصولهم إلى إسبانيا.

ويرى لشكر أن خطورة هذه الصورة لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في إمكانية تحولها إلى سردية سياسية وإعلامية مستقرة في الخارج، خصوصاً عندما لا تجد رواية مغربية رسمية حاضرة بالسرعة الكافية للرد والتوضيح.
صمت الحكومة.. الحلقة التي أثارت غضب لشكر
ولعل أكثر ما ركز عليه لشكر خلال حديثه كان موقف الحكومة المغربية من التغطية الإعلامية التي رافقت الأحداث.
وانتقد بشدة ما وصفه بـ«اختفاء» الحكومة خلال فترة الأحداث، متسائلاً عن أسباب غياب التواصل الرسمي في وقت كانت فيه القنوات الدولية والمواقع الإخبارية تبث صوراً وتغطيات مباشرة من محيط المنطقة.
وقال إن المغاربة كانوا ينتظرون، على الأقل، توضيحات من المنتخبين أو السلطات المحلية حول ما يجري على الأرض، حتى تتمكن الأحزاب السياسية، خصوصاً تلك المرتبطة بشبكات حزبية دولية، من التعامل مع التطورات وتقديم الرواية المغربية إلى شركائها في الخارج.
وأضاف أن غياب التواصل الرسمي، وفق قراءته، ترك المجال مفتوحاً أمام روايات وتفسيرات متعددة، في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الدولية تتابع التطورات بكثافة.
سؤال الرواية المغربية في مواجهة التغطية الدولية
وتكشف تصريحات لشكر، في جانب منها، عن إشكالية تتجاوز أحداث سبتة نفسها، وتتعلق بكيفية إدارة المغرب للتواصل السياسي والإعلامي خلال الأزمات ذات البعد الدولي.
ففي الوقت الذي تتسابق فيه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية على إنتاج رواياتها من موقع الحدث، يرى لشكر أن غياب المعطى الرسمي المغربي عن المشهد الإعلامي يترك فراغاً يمكن أن تملأه روايات أخرى، بعضها قد يكون بعيداً عن المعطيات التي تعرفها السلطات المغربية أو عن القراءة المغربية للأحداث.
ومن هذا المنطلق، تبدو انتقادات لشكر موجهة إلى ما يعتبره تأخراً في التواصل الرسمي أكثر من كونها مجرد ملاحظة حول التغطية الإعلامية، خصوصاً أن أحداث سبتة تحمل منذ سنوات أبعاداً أمنية وسياسية وإنسانية مرتبطة بالهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية.
«من المستفيد؟».. سؤال لشكر المفتوح
وبين اتهام الأحداث بأنها «مؤامرة» وحديثه عن وجود «أطراف مستفيدة»، ترك لشكر الباب مفتوحاً أمام أسئلة عديدة حول هوية هذه الجهات وطبيعة استفادتها.
غير أن تصريحاته، وفق ما ورد في كلمته، لم تتضمن تسمية مباشرة لهذه الأطراف أو تقديم أدلة محددة تثبت وجود تنسيق مسبق وراء الأحداث، وهو ما يجعل حديث «المؤامرة» في الوقت الراهن تقديراً سياسياً وتحليلاً قدمه لشكر، وليس نتيجة تحقيق رسمي معلنة.
وبذلك، يعيد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أحداث سبتة إلى دائرة النقاش السياسي المغربي، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة: من يقف خلف ما جرى؟ من استفاد منه؟ ولماذا غابت الرواية الرسمية المغربية بينما كانت الكاميرات الدولية حاضرة بقوة؟
وهي أسئلة، في انتظار أي معطيات رسمية أو تحقيقات تكشف تفاصيل إضافية، تضع الحكومة أمام انتقادات سياسية جديدة بشأن طريقة تدبيرها للتواصل خلال الأحداث التي تتجاوز تداعياتها الحدود المغربية.