«المغرب يلوّح بورقة قضائية ثقيلة ضد إسبانيا.. هل تتجه الرباط لتعليق اتفاقية تسليم المجرمين؟»

يعقوب جوهري

في تطور لافت قد تكون له تداعيات قانونية وسياسية مهمة على العلاقات المغربية الإسبانية، أعلن وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن الرباط تدرس إمكانية تعليق العمل باتفاقية تسليم المجرمين مع إسبانيا، على خلفية ما تعتبره السلطات المغربية إشكالات في تنفيذ عدد من طلبات التسليم.

فهل نحن أمام مجرد خلاف قضائي حول بعض الملفات، أم أن الأمر يعكس أزمة أعمق في آليات التعاون القضائي بين البلدين؟ وما الذي يعنيه قانونيًا تعليق أو إنهاء هذه الاتفاقية، وما تأثير ذلك على الأشخاص المطلوبين من القضاء المغربي الموجودين في إسبانيا؟

فيما يلي قراءة قانونية وإعلامية في هذا التطور، بعيدًا عن المبالغة، وبالاستناد إلى الإطار القانوني المنظم للتعاون القضائي بين الرباط ومدريد.
أولًا: ما الذي أعلنه المغرب فعليًا؟

النقطة الأولى التي يجب تصحيحها إعلاميًا هي أن المغرب لم يعلن تعليق الاتفاقية.

وزير العدل المغربي قال إن وزارة العدل تدرس إمكانية تعليق العمل بها بسبب ما تعتبره الرباط حالات متكررة لم يتم فيها تنفيذ طلبات تسليم أشخاص مطلوبين من القضاء المغربي، رغم أن الإجراءات وصلت إلى مراحل متقدمة.

إذن الفرق جوهري بين:

«المغرب علّق اتفاقية التسليم»

و

«المغرب يدرس تعليق العمل بالاتفاقية».

والصياغة الثانية هي الصحيحة حاليًا.

ثانيًا: ماذا تقول الاتفاقية قانونيًا؟

اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة بين المغرب وإسبانيا في الرباط بتاريخ 24 يونيو 2009 تنص في مادتها الأولى على التزام الطرفين، وفق شروط الاتفاقية، بتسليم الأشخاص الموجودين في إقليم أحد البلدين والملاحقين أو المحكوم عليهم من سلطات البلد الآخر.

لكن هذا الالتزام ليس مطلقًا.

فاللائحة نفسها تضع مجموعة من الحالات التي يمكن فيها رفض التسليم، ومنها مثلًا الجنسية، وبعض الجرائم السياسية، والتقادم، وكون الجريمة ارتُكبت في الدولة المطلوب منها التسليم، إضافة إلى حالات أخرى محددة في الاتفاقية.

وهنا تظهر أهمية قانونية كبيرة:

مجرد صدور طلب تسليم من المغرب لا يعني تلقائيًا أن إسبانيا ملزمة بتسليم الشخص.

فالطلب يخضع للاتفاقية وللقانون الإسباني ولرقابة السلطات القضائية الإسبانية.

ثالثًا: هل يستطيع المغرب تعليق الاتفاقية من جانب واحد؟

هنا توجد نقطة شديدة الأهمية إعلاميًا.

الاتفاقية الحالية لا تنص ببساطة على أن إحدى الدول تستطيع أن تقول: «أعلّق الاتفاقية ابتداءً من الغد».

المادة 27 تنص على أن الاتفاقية غير محددة المدة، وأن بإمكان أي طرف إنهاء الاتفاقية عن طريق إخطار كتابي عبر القنوات الدبلوماسية، على أن يصبح الإنهاء نافذًا بعد سنة من تاريخ الإخطار.

لذلك، إذا تحولت الدراسة المغربية إلى قرار رسمي بإنهاء الاتفاقية، فهناك مسار دبلوماسي وإجرائي يجب احترامه.

وهذا يجعل عبارة الوزير عن «دراسة التعليق» أقرب في الوقت الحالي إلى رسالة سياسية وقانونية قوية إلى مدريد منها إلى إلغاء فوري للاتفاقية.

رابعًا: ماذا يحدث لطلبات التسليم الموجودة حاليًا؟

هذه من أهم النقاط التي يجب عدم تبسيطها.

إذا قرر المغرب بالفعل إنهاء الاتفاقية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن كل ملفات التسليم القائمة ستختفي في اليوم التالي.

فالنفاذ لا يتوقف فورًا بمجرد الإعلان السياسي؛ المادة 27 تمنح الاتفاقية أثرًا مستمرًا خلال سنة من الإخطار الرسمي بالإنهاء.

كما أن كل ملف تسليم له وضعه الإجرائي الخاص:

* هل صدر أمر توقيف؟
* هل تم توقيف الشخص؟
* هل قدم المغرب طلب التسليم رسميًا؟
* هل وصلت الوثائق المطلوبة؟
* هل بدأت الإجراءات أمام المحكمة الوطنية؟
* هل صدر قرار قضائي؟
* هل أصبح القرار نهائيًا؟
* وهل توجد أسباب قانونية تمنع التسليم؟

لذلك لا يمكن القول إن «جميع المطلوبين المغاربة في إسبانيا أصبحوا في مأمن».

هذه ستكون قراءة قانونية خاطئة.

خامسًا: لماذا قد ترفض إسبانيا تسليم شخص مطلوب من المغرب؟

إسبانيا لا تستطيع التعامل مع طلب التسليم باعتباره مجرد طلب إداري من دولة صديقة.

هناك رقابة قانونية وقضائية.

350 * 350

والاتفاقية نفسها تحدد أسبابًا إلزامية وأخرى اختيارية لرفض التسليم. ومن بينها مثلًا عدم تسليم المواطنين، وفق الشروط الواردة في الاتفاقية، وبعض الحالات المتعلقة بالتقادم والجرائم السياسية والمحاكمة السابقة وغيرها.

وهذا يعني أن وجود شخص مطلوب من القضاء المغربي على الأراضي الإسبانية لا يكفي وحده لإتمام تسليمه.

سادسًا: أين تكمن المشكلة التي يتحدث عنها وهبي؟

بحسب تصريحات الوزير، المشكلة ليست فقط في رفض طلبات التسليم.

بل في شيء أكثر حساسية:

أن المغرب يقول إن شخصًا يتم توقيفه بناءً على طلبه، ثم بعد استكمال بعض الإجراءات والاستعداد لتسلمه، لا تتم عملية التسليم في النهاية، ويتم إبلاغ السلطات المغربية بأن الشخص أصبح في حالة سراح.

ومن وجهة نظر الرباط، هذه المسألة تمس مبدأ الثقة المتبادلة في التعاون القضائي.

فالرسالة المغربية تبدو كالتالي:

إذا كان القضاء الإسباني يرى أن شروط التسليم غير متوفرة، فهذا أمر يمكن مناقشته قانونيًا؛ لكن المشكلة، بحسب الرباط، هي أن تبدأ إجراءات التسليم ثم تتعطل في المرحلة الأخيرة.

وهنا يتحول الموضوع من خلاف حول ملف فردي إلى سؤال حول فعالية آلية التعاون القضائي نفسها.

سابعًا: الملف الأخطر إعلاميًا ليس التسليم وحده

تصريحات وهبي تأتي أيضًا في سياق أوسع يتعلق بموضوع القاصرين المغاربة غير المصحوبين في إسبانيا.

وهنا يصبح التحليل السياسي أكثر وضوحًا.

هناك ملفان مختلفان قانونيًا:

1. تسليم الأشخاص المطلوبين قضائيًا.

2. إعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين.

لكن سياسيًا، وضع الوزير الملفين في سياق واحد يعكس وجود مشكلة أوسع في التعاون بين الرباط ومدريد، بحسب التصريحات المغربية.

وفي المقابل، فإن موضوع القاصرين يخضع لإطار قانوني مختلف، ولا ينبغي الخلط بين إعادة القاصرين وبين تسليم المطلوبين جنائيًا.

وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة جدًا في التغطية الصحفية.

ثامنًا: القراءة السياسية والإعلامية

من وجهة نظري، الخبر أكبر من مجرد اتفاقية تسليم مجرمين.

هو رسالة ضغط دبلوماسية وقضائية.

العلاقات المغربية الإسبانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تعاونًا واسعًا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة، ولذلك فإن التلويح بإعادة النظر في إحدى أدوات التعاون القضائي يحمل وزنًا سياسيًا.

واللافت أن التصريحات جاءت في الوقت الذي كان فيه البلدان قد أعلنا في نهاية يوليوز عن تعزيز التنسيق بشأن الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير نظامي إلى سبتة، وهو ما يظهر أن العلاقة بين البلدين تجمع في الوقت نفسه بين التعاون والضغط وا.

ولا يعني أيضًا أن كل شخص مطلوب من المغرب يستطيع الإفلات من العدالة بمجرد وجوده في إسبانيا.

بل إن المسألة مرتبطة بالآليات القانونية التي تحكم كل طلب تسليم، وبالقانون الإسباني، وبقرار السلطات القضائية المختصة.

كما أن وجود اتفاقية تسليم ليس هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للتعاون القضائي بين الدول.

لذلك يجب الحذر من العناوين التي قد تخلق اعتقادًا بأن «المطلوبين المغاربة لن يتم تسليمهم بعد اليوم».

هذا غير دقيق قانونيًا.

عاشرًا: الخلاصة التي أقترح أن تقدمها إعلاميًا

نحن أمام إنذار مغربي، وليس أمام إلغاء فوري للاتفاقية.

الرباط تقول إن آلية التعاون الحالية لا تعمل بالشكل الذي تريده، ووزير العدل يعلن أن خيار تعليق العمل بالاتفاقية أصبح مطروحًا للنقاش.

لكن قانونيًا، الاتفاقية الحالية تنص على آلية لإنهائها عبر الإخطار الدبلوماسي، مع مهلة سنة قبل دخول الإنهاء حيز التنفيذ.

وبالتالي فإن الكرة الآن في ملعب الحوار المغربي الإسباني.

فإذا نجحت المفاوضات، يمكن أن تتحول هذه التصريحات إلى وسيلة لإعادة ضبط التعاون القضائي. وإذا فشلت، فقد نكون أمام واحدة من أكثر الأزمات حساسية في التعاون القضائي بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.