مع اقتراب موسم جني الزيتون، يستعد الفلاحون والمهنيون لدخول مرحلة حاسمة ستحدد ملامح سوق زيت الزيتون خلال الأشهر المقبلة، وسط مؤشرات متباينة بشأن حجم المحصول المرتقب. ففي الوقت الذي استفادت فيه الأشجار من تحسن التساقطات المطرية مقارنة بالسنوات الماضية، تثير عوامل أخرى، من بينها ارتفاع كلفة اليد العاملة والظروف المناخية غير المستقرة، مخاوف من تراجع الإنتاج في عدد من المناطق، وما قد يترتب عن ذلك من ضغوط جديدة على الأسعار.
وتتجه الأنظار، بشكل خاص، إلى حجم الثمار التي ستصل إلى المعاصر خلال الموسم المقبل، بعدما عرف الموسم السابق وفرة في الإنتاج دفعت أسعار الزيتون إلى مستويات منخفضة، مقابل ارتفاع ملحوظ في تكاليف الجني والنقل والعصر. وهي معادلة جعلت عدداً من المنتجين يواجهون صعوبة في تحقيق هامش ربح يغطي مختلف المصاريف المرتبطة بالعملية الإنتاجية.
- وفرة المحصول تتحول إلى عبء على الفلاح
ويشير مهنيون إلى أن وفرة الإنتاج خلال الموسم الماضي لم تكن بالضرورة مكسباً صافياً لجميع الفلاحين، إذ تزامنت مع ارتفاع تكلفة اليد العاملة وتراجع أسعار حبات الزيتون في الأسواق.
وفي عدد من المناطق، بلغ سعر الكيلوغرام من الزيتون مستويات تراوحت بين درهمين وثلاثة دراهم، في وقت ارتفعت فيه كلفة الجني بشكل كبير. ويقول مهنيون إن هذه الوضعية دفعت بعض المنتجين إلى تقليص عمليات الجني أو التوقف عنها عندما أصبحت تكلفة جمع المحصول تقترب من قيمته في السوق.
ويشرح محمد صبيح، منتج وتاجر لزيت الزيتون بنواحي بني ملال، أن جزءاً من محصول الموسم الماضي ظل عالقاً على الأشجار، بعدما وجد عدد من الفلاحين أنفسهم أمام تكاليف مرتفعة لم تعد تتناسب مع السعر الذي يباع به الزيتون.
وأوضح أن أجور اليد العاملة ارتفعت بشكل كبير، مشيراً إلى أن العامل كان يتقاضى في بعض الحالات ما يصل إلى 300 درهم في اليوم مقابل ساعات من العمل، في وقت لم يكن فيه سعر الزيتون يسمح للفلاح باسترداد مختلف التكاليف.
وبحسب المتحدث، فإن تكلفة الجني وحدها وصلت في بعض الحالات إلى نحو درهمين للكيلوغرام، قبل احتساب مصاريف النقل والتسويق وباقي التكاليف، وهو ما جعل هامش الربح يتقلص بشكل حاد، بل دفع بعض المنتجين إلى تسجيل خسائر رغم بيع محصولهم.
- الأمطار والعوامل المناخية تزيد الضغط
ولا تقتصر التحديات التي تواجه الموسم الجديد على الجانب الاقتصادي، إذ تلعب الظروف المناخية دوراً أساسياً في تحديد حجم وجودة المحصول.
ويشير مهنيون إلى أن التساقطات المطرية التي تزامنت مع مراحل مختلفة من الدورة الزراعية، إلى جانب العواصف الرعدية والتقلبات الجوية، أثرت في بعض المناطق على الثمار والأزهار، بينما أدى تساقط الأمطار خلال فترة الجني في الموسم الماضي إلى صعوبة ولوج عدد من الضيعات واستكمال عمليات الحصاد.
ويخشى المنتجون من أن تؤدي هذه العوامل، إذا استمرت خلال الفترة المقبلة، إلى التأثير على حجم المحصول وجودته، خصوصاً أن الأسابيع التي تسبق الجني تعد حاسمة بالنسبة لنضج الثمار ومردودية الزيت.

- من 40 درهماً إلى 80 درهماً؟
وبالتوازي مع النقاش حول الإنتاج، بدأ سيناريو ارتفاع أسعار زيت الزيتون يفرض نفسه بقوة في أوساط المهنيين والمستهلكين على حد سواء.
فخلال الموسم الماضي، تراوحت أسعار زيت الزيتون، وفق المعطيات المتداولة مهنياً، بين 40 و50 درهماً للتر في عدد من الأسواق، بعد تراجع الأسعار مقارنة بالمستويات المرتفعة التي عرفتها السوق خلال فترة شح الإنتاج.
لكن تراجع المحصول، إذا تأكد على نطاق واسع، قد يعيد الأسعار إلى مسار تصاعدي، إذ يتوقع مهنيون أن يتراوح سعر اللتر خلال الموسم المقبل بين 60 و70 درهماً، وقد يصل إلى 80 درهماً في بعض الحالات، تبعاً لجودة الزيت ومردودية العصر وتكاليف الإنتاج والتسويق.
ويظل هذا السيناريو، في الوقت الراهن، توقعاً مهنياً وليس سعراً نهائياً، إذ إن تحديد الأسعار الفعلية لن يكون ممكناً قبل اتضاح حجم المحصول ودخول الزيتون إلى الأسواق والمعاصر.
- معادلة صعبة أمام المنتج والمستهلك
ويضع هذا الوضع الفلاح المغربي أمام معادلة معقدة: فارتفاع تكاليف الإنتاج والجني يضغط على المنتج، بينما يؤدي أي انخفاض في العرض إلى رفع الأسعار بالنسبة للمستهلك.
وفي المقابل، فإن انخفاض الأسعار بشكل حاد خلال مواسم الوفرة لا يضمن بالضرورة استفادة الفلاح، خصوصاً عندما تتجاوز تكلفة الجني والنقل والعصر هامش الربح الممكن تحقيقه من بيع المحصول.
ويعتبر مهنيون أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مزيداً من التنظيم في سلسلة الإنتاج والتسويق، إلى جانب تطوير آليات التخزين والتثمين وتحسين مردودية المعاصر، بما يسمح بتقليص تأثير التقلبات الموسمية على المنتج والمستهلك معاً.
- الأنظار تتجه إلى موسم الجني
وبين مؤشرات تدعو إلى التفاؤل بفعل تحسن التساقطات المطرية، ومخاوف محلية من تراجع المحصول وارتفاع تكاليف الإنتاج، يبقى موسم الزيتون المقبل مفتوحاً على أكثر من سيناريو.
فالأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الثمار وحجم الإنتاج، قبل أن تكشف المعاصر عن المردودية الفعلية للزيت.
وفي انتظار ذلك، يبقى احتمال بلوغ زيت الزيتون سقف 80 درهماً للتر مرتبطاً بتطورات العرض والطلب وحجم المحصول النهائي، في سوق يترقب موسماً جديداً قد يعيد رسم خريطة الأسعار، ويضع الفلاح والمستهلك مجدداً أمام اختبار صعب.