تدخل مأساة العبور الجماعي نحو سبتة مرحلة جديدة مع استعداد السلطات المحلية لدفن جثامين مهاجرين لقوا حتفهم خلال أحداث 30 يوليوز، في وقت لا تزال فيه هوية عدد من الضحايا غير محسومة، وتواصل الأسر، خصوصاً في المغرب، انتظار معلومات قد تكشف مصير أبنائها المفقودين.
ولا يطرح قرار الدفن سؤال مكان إيواء الجثامين فقط، بل يفتح ملفاً أكثر حساسية يتعلق بكيفية التعامل مع جثامين مجهولة الهوية، ومدى استنفاد إجراءات التعرف عليها، وحق العائلات في معرفة الحقيقة واستعادة جثامين أقاربها.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من عمليات البحث والانتشال والتعرف على الضحايا، في سياق شهد تسجيل عشرات الوفيات خلال محاولات العبور، بينما لا تزال عملية تحديد هوية عدد من الجثامين مستمرة باستخدام الوسائل الطبية والجنائية المتاحة.
-
الدفن لا يعني إغلاق ملف الضحايا
ويؤكد خبراء في قضايا الهجرة وحقوق الإنسان أن دفن الجثامين التي تعذر تحديد أصحابها لا يشكل، في حد ذاته، نهاية للإجراءات، شريطة أن تكون السلطات قد استنفدت الوسائل المعقولة للتعرف على الضحايا، وأن يتم توثيق كل جثمان بشكل يسمح بالعودة إلى ملفه في أي وقت.
وتشمل إجراءات تحديد الهوية عادة البصمات، وتحاليل الحمض النووي، وفحص الأسنان، والصور والمعطيات الجسدية، إلى جانب الملابس والمقتنيات الشخصية التي يمكن أن تساعد في ربط الجثمان بشخص مفقود.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة في حالة سبتة، بالنظر إلى وجود أسر في المغرب وبلدان إفريقية أخرى لا تزال تبحث عن أقاربها منذ أحداث 30 يوليوز.
-
الجثامين المجهولة.. بين ضرورة الدفن وحفظ الهوية
ويرى حسن بنطالب، الباحث في السياسات العمومية حول الهجرة، أن كرامة الإنسان لا تنتهي بالوفاة، كما أن الوضعية القانونية للمهاجر قبل وفاته لا تبرر أي انتقاص من حقوقه بعد الموت.
ويعتبر أن الإشكال الأساسي لا يتعلق بمبدأ الدفن، وإنما بالضمانات التي تسبقه وترافقه، خصوصاً ما يرتبط بمحاولات تحديد الهوية وإخبار الأسر والتنسيق مع سلطات بلد الأصل.
وفي حال تعذر الوصول إلى هوية الضحية، يصبح من الضروري، وفق هذا التصور، حفظ العينات البيولوجية والمعطيات الطبية والبيومترية، وتسجيل مكان الدفن ورقمه بشكل دقيق، بما يسمح باستخراج الجثمان ونقله إلى أسرته مستقبلاً إذا تم تحديد هويته.
-
الأسر المغربية تنتظر إجابات
وتأخذ القضية بعداً أكثر حساسية بالنسبة إلى الأسر التي فقدت الاتصال بأبنائها خلال موجة العبور، إذ إن عدم وجود جثمان معروف أو هوية مؤكدة يبقي العائلة في حالة انتظار مفتوحة.
وفي هذا السياق، يبرز التنسيق المغربي الإسباني باعتباره عاملاً أساسياً في تسريع عمليات التعرف، من خلال تبادل المعطيات، ومقارنة عينات الحمض النووي، وتسهيل التواصل مع الأسر.

ويرى محمد بنعيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن الجثامين التي تم التعرف على أصحابها ينبغي أن تخضع للمساطر القانونية والقضائية اللازمة، مع إبلاغ الأسر والقنصلية المغربية وتمكين ذوي الضحايا من المطالبة باستعادة الجثامين ونقلها إلى المغرب.
أما الجثامين مجهولة الهوية، فينبغي دفنها بطريقة تحفظ إمكانية التعرف عليها لاحقاً، مع تسجيل كل المعلومات المرتبطة بها وعدم طي ملفاتها بمجرد انتهاء عملية الدفن.
-
المغرب أمام مسؤولية مواكبة الملف
ولا تقتصر المسؤولية على السلطات الإسبانية، إذ إن الجانب المغربي مطالب بدوره بمواصلة البحث عن المفقودين ومواكبة الأسر والتنسيق بشأن المواطنين المغاربة الذين قد يكونون ضمن الضحايا.
ويرى عبد الحميد جمور، الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب-جنوب، أن التعامل مع الملف يجب أن يجمع بين البعد الإنساني والقضائي والحقوقي، لأن الأمر لا يتعلق فقط بجثامين ينبغي دفنها، وإنما بأشخاص لهم أسماء وأسر ومصائر ينبغي تحديدها.
ويكتسي الاحتفاظ بالمعطيات البيولوجية والجنائية أهمية حاسمة في هذا السياق، إذ يمكن أن تتيح عمليات المطابقة مستقبلاً التعرف على ضحايا لم يتم تحديد هوياتهم في المرحلة الأولى.
- الدفن لا يجب أن يطوي أسئلة الوفاة
وبالتوازي مع البحث عن هوية الضحايا، يطرح ملف أحداث 30 يوليوز سؤالاً آخر يتعلق بظروف الوفاة وضرورة استكمال التحقيقات الطبية والقضائية المرتبطة بها.
فالدفن، وفق المقاربة الحقوقية، لا ينبغي أن يتحول إلى نقطة نهاية تمنع العودة إلى الملفات أو مراجعة المعطيات عند ظهور أدلة جديدة، بل يجب أن يظل كل جثمان مرتبطاً بملف يمكن الرجوع إليه.
وتزداد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى أن أحداث العبور خلفت عدداً كبيراً من الضحايا في فترة زمنية وجيزة، ما يجعل توثيق ظروف الوفاة وتحديد هوية كل ضحية جزءاً أساسياً من معالجة آثار المأساة.
- مأساة لا تنتهي عند المقبرة
وبينما تستعد سلطات سبتة للشروع في دفن الجثامين، يبقى جوهر القضية أبعد من مجرد إجراء إداري لإنهاء حفظ الجثامين.
فخلف كل جثمان مجهول توجد أسرة تنتظر جواباً، وخلف كل ملف لم يحسم بعد شخص يبحث عنه أقاربه، فيما تظل مسؤولية السلطات قائمة لضمان الهوية والكرامة والحقيقة.
وعليه، فإن نجاح التعامل مع هذا الملف لن يقاس بعدد الجثامين التي تم دفنها، وإنما بمدى قدرة السلطات المغربية والإسبانية على تحديد هويات الضحايا، وإخبار أسرهم، وحفظ حقوقهم، وضمان إمكانية استعادة الجثامين مستقبلاً.
فالموت قد ينهي حياة المهاجر، لكنه لا ينبغي أن ينهي حقه في الهوية، ولا حق أسرته في معرفة الحقيقة.