الرباط – أعادت جثامين 82 مهاجراً انتُشلت في سبتة المحتلة إلى الواجهة واحداً من أكثر الجوانب حساسية في مأساة العبور الجماعي الأخيرة، بعدما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان السلطات المغربية بالتدخل العاجل لمنع دفن الضحايا قبل استكمال إجراءات تحديد هوياتهم وتمكين عائلاتهم من معرفة مصير ذويها واستلام جثامينهم.
وتأتي هذه المطالب في وقت تستعد فيه سلطات سبتة لدفن عدد كبير من الجثامين التي لا تزال هويات أصحابها غير محددة بشكل كامل، بعد استكمال عمليات التشريح، فيما لم يتم التعرف رسمياً سوى على عدد محدود من الضحايا.
- دعوة إلى وقف الدفن
واعتبرت الجمعية أن دفن الجثامين قبل استكمال إجراءات التعرف على أصحابها قد يحرم الأسر من حقها في الوصول إلى الحقيقة ومعرفة مصير أفرادها، داعية إلى إعطاء الأولوية لتحديد الهويات قبل اتخاذ أي خطوة نهائية بشأن الدفن.
وفي هذا السياق، وجهت الجمعية مراسلة عاجلة إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، مطالبة بتدخل السلطات المغربية لدى الجهات المعنية في سبتة، وتسريع الإجراءات المرتبطة بالتعرف على الضحايا وإعادتهم إلى المغرب.
كما دعت إلى توفير الإمكانيات العلمية والتقنية اللازمة، خصوصاً تحاليل الحمض النووي ومقارنتها بالعينات التي يمكن الحصول عليها من أسر الأشخاص المفقودين، باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية لحسم هوية الجثامين التي تعذر التعرف عليها بالطرق الأخرى.
- مأساة بدأت مع موجة العبور الجماعي
وتعود القضية إلى موجة العبور الجماعي نحو سبتة أواخر يوليوز، والتي أسفرت عن عدد كبير من الوفيات أثناء محاولات الوصول إلى المدينة عبر البحر.
وتمكنت فرق البحث والإنقاذ من انتشال عشرات الجثامين خلال الأيام الموالية، قبل أن تستقر الحصيلة في الجانب الإسباني عند 82 جثماناً، من بينهم امرأة واحدة، وفق المعطيات المتاحة. كما استُكملت عمليات التشريح لجميع الجثامين التي تم انتشالها.
وبحسب المعطيات المتعلقة بعملية تحديد الهوية، تمكنت السلطات من التعرف على ستة ضحايا، ثلاثة منهم بواسطة البصمات، فيما ساهمت التحاليل البيولوجية ومقارنة الحمض النووي في تحديد هوية ثلاثة آخرين. ولا تزال عملية التعرف على بقية الجثامين تواجه صعوبات، في انتظار استكمال المطابقات اللازمة.

- عائلات تنتظر خبراً عن مفقوديها
وتكتسي عملية تحديد الهوية أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر التي لا تزال تجهل مصير أبنائها الذين فقدوا خلال محاولة العبور.
فبالنسبة لهذه العائلات، لا يتعلق الأمر بمجرد إجراء إداري أو طبي، وإنما بحق أساسي في معرفة مصير قريب مفقود، والحصول على جثمانه ودفنه وفق رغبات الأسرة ومعتقداتها.
ولهذا تركز المطالب الحقوقية على ضرورة تكثيف التنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية، وتبادل المعطيات المتعلقة بالمفقودين، إلى جانب تسريع الفحوص الجينية كلما تعذر التعرف على الضحايا بواسطة البصمات أو الوثائق المتاحة.
- الدفن لا ينهي مسار تحديد الهوية
وتبرز أهمية الإسراع في هذه الإجراءات مع استعداد سلطات سبتة لدفن الجثامين التي لم يتم التعرف على أصحابها، بعد تهيئة مقابر لاستقبال الضحايا. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن إجراءات الدفن يمكن أن تتم مع الاحتفاظ بالبيانات الجنائية والبيولوجية الخاصة بكل جثمان، بما يسمح بإعادة فتح مسار التعرف مستقبلاً عند ظهور تطابق مع عائلات المفقودين.
غير أن المطالب الحقوقية ترى أن الأولوية ينبغي أن تكون، قبل الوصول إلى هذه المرحلة، لاستنفاد الإمكانيات المتاحة لتحديد الهويات وإعادة الجثامين التي يتبين أنها تعود إلى مواطنين مغاربة.
- ملف إنساني يتجاوز الأرقام
وتكشف قضية الجثامين الـ82 أن مأساة الهجرة لا تنتهي عند تسجيل الوفيات، بل تستمر بالنسبة إلى الأسر التي تبقى معلقة بين الأمل والخوف في انتظار معرفة مصير أبنائها.
ومن هنا، أصبح تحديد الهويات وإعادة الجثامين إلى المغرب جزءاً أساسياً من معالجة تداعيات هذه المأساة، إلى جانب ضرورة توضيح مصير المفقودين وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات المعنية.
وفي انتظار استكمال هذه الإجراءات، يبقى مطلب العائلات واضحاً: معرفة الحقيقة، تحديد هوية الضحايا، وتمكين الأسر من دفن أبنائها بكرامة.