الصحراء المغربية.. التجنيس يعيد قضايا الإحصاء والهوية والتمثيلية إلى الواجهة
م.ب
أعاد فتح إسبانيا باب التجنيس أمام الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية نقاشاً يتجاوز الجانب القانوني المرتبط بالجنسية، ليطال قضايا الإحصاء والهوية والتمثيلية، في ظل استمرار الجدل حول المعطيات الديمغرافية المرتبطة بسكان مخيمات تندوف ومسار تسوية قضية الصحراء المغربية.
وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول ما يمكن أن توفره الملفات الإدارية المرتبطة بالتجنيس من معطيات بشأن أصول الأشخاص المعنيين، وتركيبتهم العائلية والجغرافية، بما قد يساهم في إغناء النقاش حول الأرقام والمعطيات المتعلقة بالسكان الصحراويين.
- الإحصاء في صلب النقاش
ويبرز الإحصاء باعتباره أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف، خصوصاً في ظل استمرار غياب إحصاء رسمي ودقيق لسكان مخيمات تندوف، وهو ما ظل موضوع مطالب دولية بضرورة تحديد أعداد السكان وتركيبتهم.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمعطيات التي تفرزها إجراءات التجنيس أن توفر مؤشرات إضافية حول هوية الأشخاص المعنيين ومساراتهم العائلية والجغرافية، بما يعيد طرح سؤال الأرقام التي تقدمها جبهة البوليساريو بشأن سكان المخيمات ومدى إمكانية التحقق منها بشكل مستقل.
ولا يرتبط الأمر بالأرقام فقط، إذ إن تحديد هوية السكان وتركيبتهم يرتبط بشكل مباشر بمسألة التمثيلية، في ظل تقديم جبهة البوليساريو نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للصحراويين.
- تعدد الانتماءات يعيد النقاش حول التمثيلية
ويرى متابعون للملف أن مسار التجنيس قد يكشف، بشكل غير مباشر، عن تعدد الانتماءات والامتدادات العائلية والجغرافية داخل الفضاء الصحراوي، بما يعكس تعقيد التركيبة الاجتماعية والتاريخية للمنطقة.
وفي هذا السياق، اعتبر العربي النص، الخبير العسكري والعضو السابق في البوليساريو، أن النقاش حول الجنسية الإسبانية للصحراويين تزامن خلال السنوات الأخيرة مع تحركات متسارعة في ملف الصحراء، إلى جانب فتح موريتانيا باب التجنيس أمام الصحراويين.

ويرى النص أن تزامن هذه التطورات قد يعكس وجود توجه نحو فتح خيارات متعددة أمام الصحراويين، بما قد يساهم في تجاوز حالة الجمود المرتبطة بمخيمات تندوف وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لإيجاد مخارج للنزاع.
وأضاف أن البعد السياسي يظل حاضراً إلى جانب الاعتبارات الحقوقية والقانونية والإدارية، خصوصاً في ظل التحركات الدبلوماسية التي شهدها الملف خلال الفترة الأخيرة.
- المغرب أمام فرصة لتدقيق المعطيات
من جانبه، يرى الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال سعيد بوشاكوك أن التجنيس يمكن أن يشكل فرصة لإعادة طرح مسألة الإحصاء والتحقق من الأعداد والهوية الفعلية للفئات المعنية.
وأوضح أن الخطوة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز ظاهرها القانوني والحقوقي، بالنظر إلى ارتباطها بالسياق الإسباني والعلاقات بين مدريد والرباط، لكنه اعتبر أن المغرب يمكنه توظيف هذا المعطى بشكل إيجابي، خصوصاً في ما يتعلق بتدقيق المعطيات الديمغرافية.
وأشار إلى أن إجراءات التجنيس قد تفتح المجال أمام مراجعة بعض التصورات المرتبطة بهوية السكان، كما يمكن أن تكشف عن تعدد الهويات والانتماءات داخل الفضاء الصحراوي الواسع، بما يعكس تعقيد الواقع الاجتماعي والتاريخي للمنطقة.
- ملف يتجاوز الجنسية
وبذلك، لا يبدو النقاش حول التجنيس الإسباني مجرد مسألة إدارية مرتبطة بالحصول على الجنسية، بل أصبح مرتبطاً بأسئلة أوسع تتعلق بالهوية والإحصاء والتمثيلية، وهي ملفات تحظى بأهمية خاصة في سياق النزاع حول الصحراء المغربية.
وفي انتظار اتضاح حجم الفئات المستفيدة من هذا المسار وطبيعة المعطيات التي ستفرزها الملفات الإدارية، يظل التجنيس عاملاً جديداً يمكن أن يعيد النقاش حول التركيبة السكانية للصحراويين، ومدى دقة الأرقام المتداولة بشأن سكان مخيمات تندوف، فضلاً عن حدود تمثيلية الجهات التي تتحدث باسمهم.
ويبقى حسم هذه القضايا مرتبطاً بتوفر معطيات دقيقة وقابلة للتحقق، بما يسمح بفصل المعطيات الديمغرافية والتاريخية عن القراءات السياسية، ووضع النقاش حول هوية السكان وتمثيليتهم ضمن مقاربة أكثر دقة وموضوعية