لم تعد الحكاية في شمال المغرب مجرد قصة شباب يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى بحثاً عن فرصة عمل أو حياة أفضل. ما يجري اليوم في محيط سبتة ومليلية يطرح سؤالاً أكثر إيلاماً، خصوصاً في مدن مثل تطوان والفنيدق والمضيق: لماذا أصبح بعض الشباب يرون في مغادرة مدينتهم مشروع حياة، بينما يجدون صعوبة في تصور مستقبلهم داخلها؟
خلال الأسابيع الأخيرة، عادت الحدود الشمالية إلى واجهة الأحداث، بعدما انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي دعوات إلى محاولات عبور جماعية نحو سبتة، بعضها كان قد حدد يوم 15 غشت موعداً للتحرك. ومع انتشار هذه الدعوات، رفعت السلطات المغربية درجة اليقظة في محيط الفنيدق وتطوان ومناطق أخرى من الشمال، بينما عززت إسبانيا بدورها حضورها الأمني في سبتة.
لكن خلف المشهد الأمني الصاخب، توجد قصة أخرى أكثر هدوءاً وأشد عمقاً: قصة جيل من الشباب يشعر بأن المستقبل الذي يبحث عنه يوجد في مكان آخر.
فالشاب الذي يشاهد على هاتفه صوراً للحياة في أوروبا، ويرى أشخاصاً من عمره يعيشون ويعملون هناك، لا يرى بالضرورة الحواجز والأسلاك والمخاطر التي تفصل بينه وبين تلك الصورة. وقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء يصنع أحلاماً سريعة، ويختصر المسافة بين الواقع الصعب والصورة اللامعة للحياة في الضفة الأخرى.
وهنا تصبح سبتة ومليلية أكثر من مجرد نقطتين حدوديتين.
إنهما، بالنسبة إلى جزء من الشباب، رمز لفكرة الهروب من واقع لم يعد مقنعاً.
والأخطر أن الأحداث الأخيرة كشفت كيف يمكن لشائعة أو دعوة مجهولة المصدر على مواقع التواصل الاجتماعي أن تتحول خلال وقت قصير إلى تعبئة جماعية.
السلطات المغربية أعلنت تشديد إجراءاتها لمنع محاولات عبور جديدة، فيما تحدثت مصادر دولية عن توقيف أشخاص حاولوا الوصول إلى سبتة بعد انتشار دعوات جديدة على الشبكات الاجتماعية.
لكن هل يمكن معالجة الظاهرة أمنياً فقط؟
ربما تستطيع الحواجز الأمنية منع العبور، ويمكن للدوريات أن توقف المحاولات، ويمكن للحدود أن تصبح أكثر تحصيناً. غير أن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي:
ماذا بعد أن يعود الشاب إلى مدينته؟
ماذا ينتظره في اليوم التالي؟
هل يجد تكويناً مهنياً مناسباً؟
هل يجد فرصة عمل تحفظ كرامته؟
هل يستطيع بناء مشروع صغير؟
هل يجد فضاءً ثقافياً ورياضياً يواكب طموحاته؟
وهل يشعر بأن المدينة التي ولد فيها تحتاج إليه فعلاً، أم أنه مجرد رقم إضافي في قوائم الباحثين عن العمل؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تفتحها تطوان اليوم.
فالمدينة لا تخسر فقط عندما يغادر شاب في اتجاه أوروبا. إنها تخسر سنوات من التعليم والتكوين، وطاقة بشرية، وأفكاراً ومشاريع محتملة. وتخسر، قبل كل شيء، جزءاً من مستقبلها عندما يقتنع أبناؤها بأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا خارجها.

وهنا تكمن المفارقة.
تطوان مدينة ذات تاريخ عريق، وموقع استراتيجي، ومؤهلات سياحية وثقافية كبيرة، وقرب جغرافي استثنائي من أوروبا. لكنها في الوقت نفسه تقع في قلب واحدة من أكثر المناطق حساسية في ملف الهجرة بين إفريقيا وأوروبا.
وبين هذين الوجهين يعيش الشباب، إنهم يرون أوروبا على بعد دقائق فقط، لكنهم يعيشون في واقع اقتصادي واجتماعي يجعل تلك المسافة القصيرة تبدو أحياناً وكأنها المسافة بين عالمين.
ولذلك فإن التعامل مع أحداث باب سبتة باعتبارها مجرد قضية أمنية قد يحجب أصل المشكلة. فالحدود ليست فقط خطاً جغرافياً يحرسه الأمن؛ إنها أيضاً خط نفسي يفصل بين توقعات الشباب وإمكانات الواقع الذي يعيشونه.
وإذا كان من السهل إدانة محاولات العبور الخطرة، فإن من الأصعب أن نسأل: لماذا يغامر إنسان بحياته أصلاً؟
لماذا يترك شاب أسرته وأصدقاءه ومدينته، ويختار البحر أو السياج أو المجهول؟
لماذا يصدق دعوة مجهولة على هاتفه رغم معرفته بالمخاطر؟
ولماذا تبدو له عبارة «الذهاب إلى أوروبا» أحياناً أكثر واقعية من عبارة «بناء مستقبل في تطوان»؟
هذه الأسئلة لا تعني تبرير الهجرة غير النظامية، ولا التقليل من خطورتها، ولا تجاهل مسؤولية شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر والمعلومات المضللة التي تستغل أحلام الشباب. بل تعني محاولة الوصول إلى جذور الظاهرة بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها.
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق هو أن بعض الشباب لا يغادرون لأنهم يكرهون مدينتهم، وإنما لأنهم يحبون الحياة التي يتمنون أن يعيشوها ولا يجدون لها مكاناً واضحاً داخل مدينتهم.
وهنا تتحول الهجرة من مشكلة حدود إلى سؤال تنموي.
تطوان بحاجة إلى أن تسأل نفسها: كم شاباً يغادرها كل سنة؟ كم واحداً منهم يعود؟ كم مشروعاً كان يمكن أن ينشأ لو وجد هؤلاء الشباب الظروف المناسبة؟ وما القطاعات التي تستطيع فعلاً استيعاب طاقاتهم؟
كما أن السؤال يجب ألا يتوقف عند تطوان وحدها، بل يشمل الفنيدق والمضيق ومرتيل وشفشاون وباقي مدن الشمال، لأن المنطقة كلها تعيش على تماس مباشر مع أوروبا، وتشاهد يومياً الفوارق في مستوى العيش والفرص والخدمات.
إن معالجة الظاهرة تبدأ عندما يصبح للشباب سبب مقنع للبقاء، وليس فقط سبب للخوف من المغادرة.
فالحواجز يمكن أن تمنع العبور، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الحلم بالرحيل.
والأمن يمكن أن يحمي الحدود، لكنه لا يستطيع أن يصنع فرص العمل.
أما التنمية الحقيقية، فهي التي تجعل الشاب يقول: «أستطيع أن أبني مستقبلي هنا».
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي كشفتها أحداث سبتة الأخيرة: ليست المشكلة فقط في الشباب الذين يحاولون عبور الحدود، وإنما في السؤال الذي يسبق تلك المحاولة بكثير.
ماذا فعلنا حتى لا يصبح الرحيل هو الحلم الأكبر لشباب تطوان والشمال؟
فحين تبدأ مدينة في فقدان شبابها، فإنها لا تفقد سكاناً فقط، بل تفقد جزءاً من مستقبلها.